ساعات ، فإن استغفر الله ـ تعالى ـ لم يكتبها عليه ، وإن لم يستغفر كتبها سيئة واحدة» (١).
ويجوز أن يكون أحدهما كاتبا دون الآخر ، وإن كانا يتلقيان ويأخذان منه ذلك ؛ لما ذكر في آية أخرى ؛ حيث قال : (وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ) [ق : ٢٣] ، ولم يقرأ : قال قريناه.
ويجوز أن يكون المتلقيان جميعا يكتبان ؛ على ما روي عن ابن عباس (٢) ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : كاتبان : كاتب عن يمينه ، وكاتب عن يساره ، فيكتبان الحسنات والسيئات ، ثم يرفعان إلى من فوقهما كل اثنين وخميس ، فيثبتون من ذلك من ثواب أو عقاب ، ويلقون ما سوى ذلك.
وروي ـ أيضا ـ عنه (٣) وعن غيره (٤) من أهل التأويل أنهما يكتبان ما كان من خير وشرّ ، وما سوى ذلك فلا.
ولكن ظاهر الكتاب يدل على أنه يكتب كل شيء ، وهو قوله ـ تعالى ـ : (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) إلا أن يقال : المراد هو قول هو سبب الثواب والمأثم ، كما قال في آية أخرى : (لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها) [الكهف : ٤٩] أي : لا يغادر صغيرة من المأثم ولا كبيرة منها ، لا مطلق صغائر الأشياء وكبائرها ، فعلى ذلك هذا ، والله أعلم.
ثم جعل المتلقيين اثنين يحتمل على ما جعل في الشهادة اثنين فيما بينهم في الأحكام والحقوق يشهدان عليه في الآخرة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
في ظاهر الآية أن الملائكة إنما يكتبون ظاهر الأقوال والأفعال ، لا [ما] في الضمائر ، لكنه غير مستنكر في العقول أن يكون الله ـ تعالى ـ أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم ، فيعرفون ذلك ويكتبونه ، ولكن ظاهر الآية يشير إلى ما قلنا ، والله أعلم.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ) قال القتبي : أراد (قَعِيدٌ) من كل جانب منهما ، إلا أنه اكتفى بذكر الواحد إذا كان دليلا على الآخر ، و (قَعِيدٌ) بمعنى قاعد ؛ كما يقال : قدير وقادر ، أو يكون بمنزلة أكيل وشريب ، أي : مؤاكل ومشارب ، (قَعِيدٌ) ؛
__________________
(١) أخرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٢٠).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الفدية من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١١٩).
(٣) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ، ومن طريق عكرمة عنه ، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١١٨ ، ١١٩).
(٤) قاله عكرمة ، أخرجه ابن المنذر عنه كما في الدر المنثور (٦ / ١١٩).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
