وإما أن تركوا ذلك لما كان ذلك من السرائر التي لم يطلع الله ـ تعالى ـ الخلق على ذلك ، وهو المتشابه الذي يجب الإيمان به ، ولا يطلب له تفسير ، وكأن ذلك مما اختص الرسول صلىاللهعليهوسلم بمعرفته ؛ لقوله ـ تعالى ـ : (إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) [الجن : ٢٧] فلم يسألوا منه بيان ذلك.
وإما أن كان ذلك عندهم أسماء السور لتعريف السور ، وأسماء الأعلام لا يطلب فيها المعاني ؛ لذلك لم يسألوا معانيها ، ولم يرد التعليم من النبي صلىاللهعليهوسلم كما أن أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم تركوا سؤال التفسير للآيات إما لأن في وسعهم الوصول إلى معرفة ما تضمنته الآيات ، وعرفوا المراد منها باللسان ، وعرفوا مواقع النوازل ، ففهموا المراد ، فلم يحتاجوا إلى السؤال.
وإما أن تركوا لما أنها تضمنت أحكاما عرفوها ، فتركوا السؤال ؛ فعلى ذلك هذا ، والله أعلم.
ثم ذكر القسم ولم يبين موضع القسم ، واختلف فيه :
قال بعضهم : موضع القسم في آخر السورة : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ...) الآية [ق : ١٦].
وقال بعضهم : قوله : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ...) الآية [ق : ٣٨].
وقال بعضهم : موضع القسم قوله ـ تعالى ـ : (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) أقسم بقوله : (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) بأن الكفرة في أمر مريج.
ويحتمل أن يكون موضع القسم هو ما عجبوا ؛ كما قال : (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) ذكر ـ هاهنا ـ عجبهم من شيئين :
أحدهما : ما ذكر (أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) أي : من البشر (فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ) وهو كقولهم : (أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً) [الإسراء : ٩٤] وقولهم : (ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) [الشعراء : ١٥٤] لا يزالون ينكرون الرسالة في البشر.
والثاني : من الإحياء بعد الموت ؛ لقولهم (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) وقد ذكرنا في غير آي من القرآن عجبهم وإنكارهم البعث بعد الموت ، فجائز أن يكون موضع القسم ما عجبوا أو أنكروا أن يكون من البشر رسول أو يحيون بعد الموت ، أقسم بما ذكر من قوله ـ عزوجل ـ : (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) أنه يكون ذلك ردّا لإنكارهم وتعجبهم ، والله أعلم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
