نساء ؛ لأن النساء ليس لهن اختلاط مع الرجال حتى تجري السخرية بينهم ، وإنما الاختلاط في الغالب بين الجنس يكون ، فعلى ذلك جرى النهي بالسخرية ، والله أعلم.
ويحتمل أنه خص هؤلاء بهؤلاء كما خص القصاص في قوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ...) الآية [البقرة : ١٧٨] ، ثم جمع بين الأحرار والعبيد ، والذكور والإناث بالمعنى الذي جمعهم فيه ، وهو ما ذكر : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [البقرة : ١٧٩] أبان عن المعنى الذي به وجب القصاص فيما بينهم ، فاشتركوا جميعا في ذلك : الأحرار والعبيد ، والذكور والإناث ، فعلى ذلك ذكر المعنى الذي به نهاهم عن السخرية ، وهو ما ذكر (عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) فذلك المعنى يجمع سخرية الرجال من النساء ، وسخرية النساء من الرجال ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) واللمز : هو الطعن.
ثم منهم (١) من يقول : هو الطعن باللسان.
ومنهم من يقول : بالشدق والشفة.
ومنهم من يقول : بالعين ؛ وحاصله هو الطعن فيه.
وقال القتبي : اللمز : هو العيب ؛ أي : لا تعيبوا.
وقال أبو عوسجة : هو شبه العيب.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (أَنْفُسَكُمْ) يحتمل وجهين :
أحدهما : (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي : تذكروا مساوى أنفسكم عند الناس.
وفيه الأمر بالستر عليهم وعلى أنفسهم ، وألا يهتكوا سترهم ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ) أي : لا تدعوا بالألقاب ، والنبز : اللقب ؛ يقال : نبزت فلانا : أي : لقبته ، وفي الحديث : «قوم نبزهم الرافضة» أي : لقبهم ، ولو قال : (وَلا تَنابَزُوا) لكان كافيا ، لكن كأنه قال : ولا تظهروا ألقابهم فيسوؤهم ما أظهرتم من اللقب ، والله أعلم.
ثم قال بعض أهل التأويل (٢) : إنما نهوا عن ذلك ؛ لأنهم يسمونهم بعد إسلامهم بالأفعال التي كانوا يفعلون في حال جاهليتهم من الكفر والفسوق ، ويلقبونهم بذلك ،
__________________
(١) قاله ابن عباس بنحوه ، أخرجه عبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد ، وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير (٣١٧١٦) وابن المنذر والحاكم وصححه ، والبيهقي في شعب الإيمان عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٩٧) وعن مجاهد وقتادة مثله.
(٢) قاله ابن زيد ، أخرجه ابن جرير عنه (٣١٧٢٨) وعن عكرمة ومجاهد وقتادة مثله.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
