والصدق لذلك ، والتحقيق لما عهدوا من الوفاء لذلك ـ أخبر الله أن قد رضي الله عنهم لذلك ، فنحن نستدل به على صدق ذلك وتحقيقه وإن لم يخبرنا الله تعالى أنهم قد عزموا على ذلك ، فيجوز لنا أن نشهد أنهم قد عزموا على الوفاء لذلك والصدق له ، وقد يكون من الاستدلال ما تكون الشهادة له بالحق والصدق إذا كان في الدلالة مثل ما ذكرنا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ) هذا يحتمل وجوها :
أحدها : ما ذكرنا : علم ما في قلوبهم من العزم على الوفاء والصدق ؛ لما أعطوا بأيديهم من أنفسهم.
والثاني : علم ما في قلوبهم من الخوف والخشية ، وذلك يتوجه وجهين :
أحدهما : أنهم خشوا ألا يتهيأ لهم القيام بأهل مكة ؛ لأنهم كانوا مستعدين للحرب والقتال ، وهم كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت ، خشوا ألا يقوموا لهم ؛ فلم يفوا ما عاهدوا.
والثاني : خشوا ألا يقدروا على وفاء ما بايعوا وأعطوه ؛ لأن في ذلك مناصبة جميع أهل الأديان والمذاهب ، والله أعلم.
والثالث : علم ما في قلوبهم من الكراهة التي يذكرها أهل التأويل ، لكن تلك الكراهة كراهة الطبع ، لا كراهة الاختيار ؛ لأنهم طمعوا الوصول إلى البيت ، ورجوا دخولها ، فلما جرى الصلح بينهم على ألا يدخلوا عامهم ذلك ، فانصرفوا ، فاشتد ذلك عليهم ، فكرهوا ذلك ، لكن كراهة الطبع ، لا كراهة الاختيار ، وقد يكره طبع الإنسان شيئا والخيار غيره ؛ كقوله ـ عزوجل ـ : (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) [النساء : ١٩] ، وكقول يوسف : (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف : ٣٣] محبة الاختيار ، لا محبة الطبع ، بل الطبع إلى ما يدعونه أميل من السجن.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) أي : أنزل عليهم ما يسكن به قلوبهم ؛ لما علم تحقيق الوفاء لما بايعوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم وصدق ما أعطوا من أنفسهم ، وأثابهم مكان ما كانوا يرجون ويطمعون من دخول مكة ، وما كرهت أنفسهم من الرجوع ـ فتحا قريبا ، وهو فتح مكة ، أو فتح خيبر ، والله أعلم.
ثم قوله : (وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً* وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها) اختلف فيه :
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
