جعل الله ـ جل وعلا ـ في إظهار ما أسر أهل النفاق وإبداء ما أخفوه فيما بينهم ـ آية عظيمة ، ودلالة ظاهرة على رسالة رسوله صلىاللهعليهوسلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) كأنه على التقديم والتأخير ؛ كأنه قال : ولو نشاء لأريناكهم بسيماهم بالنظر إليهم بالبديهة ، ولتعرفنهم ـ أيضا ـ في لحن القول ؛ أي : لو نشاء لجعلنا لهم أعلاما في الوجه والقول لتعرفنهم ، ولكن لم نجعل لهم ، ولكن جعل معرفتهم بأعمال يعملون فيظهر نفاقهم بذلك ـ والله أعلم ـ كقوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) [البقرة : ٢٠٤] ، وقال في آية أخرى : (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) [المنافقون : ٤] ، وقوله : (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ...) الآية [محمد : ٢٠] ، وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ) [التوبة : ٥٤] ، وقوله : (إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ) [التوبة : ٤٥] ، ونحو ذلك من الآيات مما كان يظهر نفاقهم وخلافهم بالأعمال التي كانوا يعملون ؛ فدلت هذه الآيات على أنه كان لا يعرفهم بالسيماء والنطق والقول والأجسام ، وإنما يعرفهم بأفعال كانوا يفعلونها ، والله أعلم.
وقال بعضهم : (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) أي : فحوى الكلام ، فكان يعرفهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم إذا تكلموا ؛ فيخرج على هذا التأويل.
وقوله : (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ) على الوعد ؛ أي : تعرفهم في حادث الوقت ، والله أعلم.
قال أبو عوسجة : يقال : رجل ألحن بحججه ، ويقال : لحن يلحن ـ إذا أخطأ ـ لحنا ، فهو لاحن ؛ كأنه من العدول والميل عن الحق.
وقال القتبي : (فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) أي : في فحوى كلامهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ) يحتمل هذا وجهين :
أحدهما : والله يعلم ما تسرون من الأعمال وتخفونها.
والثاني : على الجملة ؛ أي : يعلم جميع أعمالهم : ما أسروا وأعلنوا ؛ يخرج على الوعيد ، كقوله : (إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [هود : ١١٢] ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) ، هذا يخرج على وجوه :
أحدها : أي : حتى يعلم أولياؤه المجاهدين منكم والصابرين من غير المجاهدين وغير الصابرين ، فيكون المراد من إضافة العلم إلى نفسه علم أوليائه ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (إِنْ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
