قالَ آنِفاً) جعل الله ـ عزوجل ـ آيات رسالة رسوله صلىاللهعليهوسلم وحججه على المنافقين ـ صنيعهم وما أسروا في أنفسهم من الخلاف له والعداوة ، فأطلع الله رسوله على ما أسروا في أنفسهم وأضمروه ؛ ليكون ذلك آية لرسالته ، وحجة لنبوته ؛ إذ علموا أن لا أحد يطلع على ما في القلوب إلا الله ـ تعالى ـ فإذا أخبر رسول الله لهم بما أسروا وأضمروا ، وعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله ـ تعالى ـ [كقوله :] (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً) [النور : ٦٣] ، وقوله : (وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) [البقرة : ١٤] ، ونحو ذلك.
ثم الناس في الاستماع إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم يفرقون إلى فرق ثلاث :
فالمؤمنون كانوا يستمعون إليه للاسترشاد واستزادة الهدى ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً ...) الآية [التوبة : ١٢٤] (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ...) الآية [التوبة : ١٢٥].
وقوله ـ تعالى ـ : (وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ).
يحتمل قوله : (وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) أي : أعطاهم ما اتقوا مخالفة أمره.
ويحتمل : (وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) أي : يوفقهم ما يتقون مخالفة أمره من بعد في المستأنف.
وقال بعضهم (١) : أي : أعطاهم الله ثواب أعمالهم في الآخرة ؛ يقول : كلما جاء من الله أمر أخذوا به ، فزادهم الله ـ تعالى ـ هدى (وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) ؛ أي : أجرهم.
وفي حرف ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : وأنطاهم تقواهم أي : أعطاهم ، وهي لغة معروفة ، أنطى : أي : أعطى ، وكذلك قرأ : إنا أنطيناك الكوثر.
وقوله ـ تعالى ـ : (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) كأن هذه الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون إلا عند قيام الساعة ؛ كأنه يقول : ما ينظرون لإيمانهم إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت ؛ كقوله : (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) [الأنعام : ١٥٨] ، وقوله : (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) [غافر : ٨٥] ، كأنه ـ والله أعلم ـ يؤيس رسوله صلىاللهعليهوسلم عن الطمع في إيمانهم قبل ذلك الوقت.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : يحتمل ما ذكر من مجيء أشراطها هو رسول الله صلىاللهعليهوسلم ؛ لأنه خاتم الأنبياء ، وبه ختمت النبوة ، وروي عنه أنه قال : «بعثت [أنا] والساعة كهاتين» (٢) ، وأشار إلى
__________________
(١) انظر : تفسير ابن جرير (١١ / ٣١٦).
(٢) أخرجه البخاري (١١ / ٣٤٧) كتاب الرقاق : باب قول النبي صلىاللهعليهوسلم «بعثت أنا والساعة كهاتين» (٦٥٠٤) ، ومسلم (٤ / ٢٢٦٨) كتاب الفتن : باب قرب الساعة (١٣٣ / ٢٩٥١).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
