وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(٢٦)
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ).
وقال بعض أهل التأويل : نفر من الكفرة قالوا : والله إن كان ما يقوله محمد من الثواب والنعيم في الجنة حقّا فنحن أولى بذلك منهم ، كما كنا في نعيم الدنيا ولذاتها أولى منهم ، ولنعطين أفضل مما يعطون ، ولنفضلن عليهم كما فضلنا في الدنيا ؛ فأنزل الله ـ سبحانه وتعالى ـ في ذلك : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ...) الآية.
لكن هذا التأويل ضعيف ؛ لأن هذا لا يصلح أن يكون جوابا للنازلة التي ذكرها أهل التأويل ؛ لأن أولئك قالوا : نحن أولى بما يكون في الآخرة من النعيم واللذات منهم كما كنا في الدنيا أولى ، وكما فضلنا في الدنيا نفضل في الآخرة ؛ فلا يكون قوله ـ تعالى ـ : (أَنْ نَجْعَلَهُمْ ... ساءَ) جوابا لما قالوا ، وهم إنما قالوا : نحن أولى بذلك ، ونحن نفضل فيها كما فضلنا في الدنيا ؛ فإذا كانوا حسبوا هم أنهم يفضلون على المؤمنين في الآخرة دون المساواة كيف يخبر عنهم أنهم حسبوا التساوي ، ولا خلف في خبر الله ـ عزوجل ـ والله أعلم.
لكن الآية عندنا إنما كانت في منكري البعث وجاحديه ، يقول ـ والله أعلم ـ : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً ...) الآية أي : لو كان الأمر على ما ظن أولئك بأن لا بعث ولا نشور كان في ذلك جعل (الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ) ـ أي : الشرك ـ (كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ) ؛ لأنهم جميعا قد استووا في هذه الدنيا ، في لذاتها ، ونعيمها ، وشدتها ، وآلامها ، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز ، وإنزال كل واحد منهما منزلته ، وما يستحقه المسيء العقوبة ، وجزاء الإساءة ، والمحسن الإحسان والإفضال وجزاء إحسانه ، فإذا جمع بينهما في هذه الدنيا على ما ذكرنا دل أن هنالك دارا أخرى فيها يفرق ويميز بينهما في حق الثواب والعقاب ـ والله أعلم ـ وهو كقوله ـ تعالى ـ : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [ص : ٢٧] لو كان كما ظن أولئك الكفرة أن لا بعث ولا نشور كان خلق ما ذكر من السموات والأرض وما بينهما باطلا على ظنهم ، فكذلك قوله تعالى :
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
