وقوله : (بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ).
هذا وعيد وتنبيه منه لهم ؛ يخبر أن رسله يكتبون ما يسترون ويخفون من المنكر وغيره ؛ ليكونوا أبدا على حذر ويقظة ، والله أعلم.
وقوله : (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) له بالتعالي والتنزيه عن الولد ، أي : وأنا أول من يعبد الرحمن بالإيمان والتصديق أنه ليس له ولد ، على هذا أعبد الله تعالى.
والثاني : ما كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين ، وهو من عبد يعبد ، أي : أنف يأنف ، فيكون هذا تنزيه تصريح عن الولد ، والأول تنزيه له بالكناية ، هذا إذا كان معنى قوله : (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ) ما كان للرحمن ولد.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) يخرج على التأويل ـ أيضا ـ على وجهين :
أحدهما : أي : لو كان للرحمن ولد على زعمكم وعلى ما عندكم فأنا أول من أتبرأ عن أن يكون له ولد ، وأدعوكم إلى الرحمن الذي لا ولد له ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) [القصص : ٦٢ ـ ٧٤] أي : أين شركائي [الذين] تزعمون أنتم أنهم شركاء؟ وقوله تعالى : (وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً) [طه : ٩٧] أي : انظر إلى إلهك الذي هو في زعمك إله.
والثاني : يحتمل أن يقول له : قل : لو كان يجوز أو يحتمل أن يكون له ولد ، فأنا أول من أعبده على ذلك ، أو أول من أقول أنا بذلك ، فإذ لم أقل بذلك وأنا رسول الله ، فظهر أنه لا يحتمل ولا يجوز أن يكون له ولد ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ) [الزمر : ٤] أي : لو كان يجوز أن يريد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى ممن عنده وممن شاء ، لا مما هو عندكم ومما تختارون أنتم ، لكن لا يحتمل ولا يجوز أن يتخذ ولدا.
وقال بعضهم في قوله ـ تعالى ـ : (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) يقول : كما أني لست أول من عبد الله ، فكذلك ليس للرحمن ولد ؛ كقول الرجل : لو كان ما تقول حقّا فأنا حمار ، معناه : ليس الذي تقوله بحق ، كما أني لست بحمار ، والله أعلم.
[ثم] نزه نفسه عن الولد ، وأنه لا يجوز أن يكون له ولد حيث قال : (سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) أي : رب السموات ، ورب الأرض ، ورب من فيهن ، ورب العرش.
قال أهل التأويل : أي : رب السرير.
لكن لا يحتمل أن يكون تأويل العرش ـ هاهنا ـ السرير ، فينسب إلى السرير ، فيقال :
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
