كأنهم يقولون : يا مالك ، سل ربك ليقض علينا بالموت ، يفزعون أولا إلى المؤمنين وهو قولهم : (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) [الأعراف : ٥٠] ، فلما أيسوا من ذلك يفزعون إلى الله تعالى يسألون الرجوع إلى المحنة ؛ ليعملوا غير الذي عملوا بقولهم : (رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) [فاطر : ٣٧] ، فلما أيسوا عن ذلك يفزعون إلى مالك ؛ ليسأل ربه ؛ ليقضي عليهم بالموت ، فقال : (إِنَّكُمْ ماكِثُونَ) ، وهو ما قال ـ عزوجل ـ : (لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ...) الآية [فاطر : ٣٦].
وقوله ـ عزوجل ـ : (لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِ) هذا على أثر ما ذكر ؛ كقوله تعالى : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) [غافر : ٥١] على أثر قوله : (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ ...) الآية [غافر : ٥٠].
يحتمل أن يكون القولان جميعا من الله تعالى ، أعني : قوله تعالى : (لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِ) ، وقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) [غافر : ٥١] ، والله أعلم.
ويمكن أن يكون العذاب جميعه من الملائكة ؛ إذ جائز إضافة الرسل إلى الملائكة ؛ إذ هم رسل الناس رسولنا (١) فعل كذا ، والله أعلم.
ثم قوله : (لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ).
الحق : كل ما يحمد عليه [فاعله] ويحمد هو بما منه ذلك الفعل ، والباطل : كل ما يذم عليه فاعله ويذم هو بما منه ، والله أعلم.
ثم الحق المذكور يحتمل القرآن ، ويحتمل الحق : ما تركوا اتباع رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى ما دعاهم إليه ، ويقولون : الحق هو الذي عليه آباؤنا (وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ) ، ثم قال : (أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ) ، وقال هاهنا : (لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِ) أي : جئناكم بما هو أهدى وأحق مما عليه آباؤكم.
وقوله : (وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ).
فإن قيل : كيف قال : (وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ) وإنما خاطب به أهل النار ، وكانوا جميعا كارهين للحق.
نقول : إنه يخرج على وجهين :
أحدهما : أن أكثرهم قد عرفوا أنه الحق ، لكنهم كرهوا اتباعه والانقياد له ؛ عنادا منهم ومكابرة بعد ظهور الحق عندهم وتبينه لديهم ؛ مخافة ذهاب الرئاسة عنهم وزوال مكانتهم ولم يظهر لأقلهم ، ولم يعرفوا ، والله أعلم.
__________________
(١) كذا في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
