والثاني : إن كان بعوض على ما يقولون يجب أن يعوضهم عوضا يرضون بذلك العوض ، ويكون ذلك العوض مثل ما أخذ منهم ، وهم لا يشترطون ذلك دل أن له أن يفعل لهم ما ذكرنا.
وأصله ما ذكرنا : أن الخلق كلهم عبيده وإماؤه ، ولكل ذي ملك أن يفعل في ملكه ما شاء ، لا لائمة عليه ؛ إذ كان له حقيقة الملك ؛ فعلى ذلك الله ـ سبحانه وتعالى ـ إذ له حقيقة ملك الأشياء ؛ فله أن يفعل ما يشاء بلا عوض ولا بدل ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) ليس أحد يصيبه شيء من الشدة والبلاء إلا ويكون في ذلك عفو منه ـ جل جلاله ـ لأنه ما من ألم إلا ويتوهم زيادة الألم في ذلك ، فيكون منع تلك الزيادة عنه عفوا عنه وفضلا ، وكذلك هذا في هلاك كل شيء من حقوقه ما يقل ويكثر.
ويحتمل أن يكون قوله : (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) أي : لا بكل زلة منهم تكون يؤاخذ بها ، بل يؤاخذ ببعض ، ويتجاوز عنهم في بعض ، والله أعلم.
وقوله : (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) يقول : لا تقدرون الهرب مما يريد أن يصيبكم بزلاتكم وما يريد أن يفعل بكم ، ولا لكم ملجأ (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) ينصركم ويمنعكم من عذاب الله تعالى.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) يحتمل (آياتِهِ) ما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته ، وآيات قدرته وسلطانه ، وآيات علمه وتدبيره وحكمته ، وآيات نعمه وإحسانه ، وهو ما جعل الله ـ عزوجل ـ في سرية الخشب في السفن معنى لو اجتمع حكماء البشر ؛ ليعرفوا ذلك المعنى واللطف الذي جعل في الخشب ـ ما قدروا على إدراكه ، وذلك المعنى واللطف المجعول فيها وما جعل من طبعها السكون على وجه الماء والقرار عليه مع ثقلها وغلظها ، وإن كان بدون ذلك الثقل والعظم بكثير من غير جوهر الخشب مما يتسرب في الأرض وينحدر ، وكذلك ما يحمل في السفن من الأحمال العظيمة الثقيلة مما طبع كل من ذلك الحمل أن يتسرب وينحدر في الماء لو لم تكن السفن وما ذكر من الخشب ، والله أعلم.
ثم قوله : (كَالْأَعْلامِ) قال عامة أهل التأويل (١) : أي : كالجبال في البحار.
وقال القتبي وأبو عوسجة : الأعلام : الجبال ، واحدها علم.
__________________
(١) قاله مجاهد والسدي ، أخرجه ابن جرير (٣٠٧١٠ ـ ٣٠٧١١).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
