وقوله ـ عزوجل ـ (ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) أخبر أن ما يعطى لهم من الآخرة والفضل منه ، لا أنهم يستوجبون ذلك ، وسماه : كبيرا ؛ لأنه دائم لا ينقطع أبدا.
وقوله : (ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) :
قوله : (ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ) أي : الذي ذكر من الفضل الكبير ، ووعد أنه يعطيهم ، يبشر الله ـ تعالى ـ به من ذكر : (عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) ، والله أعلم.
وقوله : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) قال بعض أهل التأويل (١) : قالت الأنصار : إنا فعلنا ، وفعلنا كذا ؛ فكأنهم افتخروا ، وقالوا : لنا الفضل عليكم ، فبلغ ذلك النبي صلىاللهعليهوسلم فأتاهم فقال : «يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله تعالى؟» قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : «ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله تعالى؟» قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : «أفلا تجيبونني؟» قالوا : ما نقول يا رسول الله؟ قال : «ألا تقولون : ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أولم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟» قال : فما زال يقول حتى جثوا للركب بين يديه ، وقالوا : أموالنا وما في أيدينا لرسول الله ، والفضل لرسوله ؛ فنزل قوله ـ تعالى ـ : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) لكن ذكر في الخبر ما لا يليق ذلك بالأنصار أن يظنوا ذلك برسول الله ، وكذلك ما ذكر من فخرهم وقولهم : «لنا الفضل عليكم» هذا لا يحتمل منهم ؛ فدل أن الحديث غير صحيح ، أو الزيادة التي لا تحتمل ، والله أعلم.
وفي بعض الأخبار : أن الأنصار ـ رضي الله عنهم ـ قالوا : إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم تنوبه النوائب من القرابة وغيرهم ، فتعالوا حتى نجمع له شيئا من أموالنا ، فيستعين على من ينوبه من الحقوق ، ففعلوا ، ثم أتوا به ، فقالوا : إنك قد تنوبك نوائب وحقوق ، وليس عندك لها سعة ، فأتيناك بشيء تستعين به على ما ينوبك من النفقة في أهلك والنازلين بك ، فنزل قوله : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(٢) [وهو يخرج] على وجوه :
أحدها : يقول : لا أسألكم على ما أبلغكم من الرسالة ، وأدعوكم إلى الإيمان بالله ـ تعالى ـ وبي أجرا إلا صلة أرحامكم وقرابتكم ؛ أي : لا أسألكم على تبليغ الرسالة إليكم و [ما] أدعوكم إليه أجرا ، إلا أن تصلوا قراباتكم وأرحامكم ؛ فتدل الآية على وجوب صلة الأرحام.
ويحتمل أن يكون ذكر هذا ردّا لقول أولئك الكفرة ؛ حيث قالوا : إن محمدا جاء يقطع
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٣٠٦٧٨) ، وابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور (٥ / ٧٠١).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف ، كما في الدر المنثور (٥ / ٧٠١).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
