وحق لها أن تئط ، ما من موضع قدم فيها إلا وملك فيها : ساجد ، أو راكع ، أو قائم ، يسبّح الله ـ تعالى ـ ويصلي له» (١) ، والله أعلم.
وقوله : (وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ).
هذا يدل على أنّ ما ذكر من تفطر السماء ؛ لعظم ما يقوله الملاحدة فيه من الشريك ، والولد ، والصاحبة ، حيث قال على إثره : (وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) ، أي : الملائكة ينزهونه ويبرءونه عما يقولون فيه ، ويثنون عليه بالثناء الذي يليق به ، ويصفونه بما هو أهله ، والله أعلم.
وقوله : (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) امتحنهم ـ جل وعلا ـ بالتسبيح ، والثناء له ، والاستغفار لأهل الأرض ، على ما ذكر.
ثم قال بعضهم : إن قوله : (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) منسوخ بقوله ـ تعالى ـ : (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا) [غافر : ٧] ؛ لأنّ الأول عام لجميع أهل الأرض ، والثاني خاص ، لكن هذا بعيد ، ومحال أن يستغفر الملائكة ، ويطلبون التجاوز من ربهم لمن يقول له بالشريك والولد والصاحبة ، وإذا كان كذلك كان استغفارهم يرجع إلى المؤمنين خاصة ؛ على ما ذكر في آية أخرى : (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) [غافر : ٧] ، وبقوله : (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) [غافر : ٧] ؛ فكان المراد من العام : هو الخاص ؛ لأنّ المراد منه العموم ، ثم صار منسوخا بورود الخاص متراخيا ، والله أعلم.
ثم إن كان استغفارهم لجملة أهل الأرض ـ على ما يقولون ـ فهو عبارة عن طلب السبب الذي به تقع لهم المغفرة ؛ وهو التوبة عن الشرك والتوحيد ؛ فيكون هذا سؤال التوحيد والهداية لهم ؛ لتقع المغفرة لهم بذلك والتجاوز ؛ ويصيروا لذلك ، وعلى ذلك يخرج استغفار إبراهيم ـ عليهالسلام ـ لأبيه أنه سؤال وطلب السبب الذي به تقع المغفرة له ، وأن يجعله أهلا لذلك ، وكذلك أمر الرسل ـ عليهمالسلام ـ قومهم بالاستغفار لهم ، وهو ما قال هود ـ عليهالسلام ـ و (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) [هود : ٥٢] ، وقول نوح : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً) [نوح : ١٠] لا يحتمل أن يقولوا لهم : قولوا : نستغفر الله ، ولكن يقولون لهم : اطلبوا ، واسألوا ربكم السبب الذي به تقع المغفرة لكم ؛ وهو التوبة عما هم فيه ، واختيار الهداية والرشد لأنفسهم ؛ ليكونوا لذلك أهلا ، فعلى ذلك يخرج استغفار الملائكة إن كان لجملة أهل الأرض ، على ما يقول بعض أهل التأويل ،
__________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٣١٢) ، وابن ماجه (٤١٩٠) ، وأحمد (٥ / ١٧٣) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٢٢).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
