__________________
ـ وقد احتج عليهم بإلزامات أخرى ؛ منها : تحريم الاصطياد ، وقتل الحيوان ولو بحق يوم السبت في شريعة موسى عليهالسلام بعد إباحته إباحة مطلقة عن الغاية في شريعة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ومنها تحريم جمع الأختين في شريعة موسى عليهالسلام وما بعدها من الشرائع بعد الإباحة في شريعة يعقوب عليهالسلام ، فإنه جمع بين الأختين ، ومنها وجوب الختان عندهم يوم الولادة ، وقيل : في الثامن في شريعة موسى عليهالسلام بعد الإباحة في شريعة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فإن قال الخصم ردّا لهذه الإلزامات الثلاثة : (إن هذه الأمور لم يتعلق بها خطاب في شريعة ، بل هذه كانت مباحة قبل التحريم والوجوب ، ورفع مباح الأصل ليس بنسخ).
قلنا جوابا عن هذا الرد : (التحقيق أن هذه المباحات مباحات شرعية بدليل أن الله جل شأنه لم يترك الإنسان من وقت نشأته في حين من الأحيان سدى قال تعالى : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً)[القيامة : ٣٦] ولم يمض وقت إلا وفيه شريعة نذير ، وإذا كان فلا بد أن تكون هذه المباحات شرعية واردة في شرائع هؤلاء النذر ؛ لذلك ذهب الإمام فخر الإسلام إلى بطلان القول بالإباحة الأصلية مستدلّا بالآية الكريمة السابقة.
ووجه الاستدلال بها : أن الإنسان لم يترك في حين من الأحيان سدى بل هو مكلف بشريعة نبي من الأنبياء ، فلا شك أن الأشياء منها ما كان على الوجوب ، ومنها ما كان على التحريم وهكذا. فالقول بالإباحة مطلقا باطل ، إلا بمعنى عدم المؤاخذة لاندراس الشرائع زمان الفترة وجعل هذا الجهل عذرا. وأيضا تلك الإباحات لما تقررت في تلك الشرائع وعلمت الأمة بها من غير نكير من النذر لها صارت بحكم التقرير أنها من أحكام تلك الشرائع ، فيكون رفعها رفع حكم شرعي وهو النسخ ، كيف وقد جمع يعقوب بين الأختين وفعل النبي تشريع وكذا الاصطياد والاختتان؟! فهذه الحجج ثابتة من غير أن يمسها أدنى شبهة من أولي التلبيس ، والله أعلم.
وقوع النسخ في شريعة واحدة :
وذلك أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا كاملا بقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ)[البقرة : ٢٤٠] ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)[البقرة : ٢٣٤] فالآية الأولى تفيد وجوب الاعتداد على المتوفى عنها زوجها سنة والوصية على الزوج بالنفقة والسكنى ، فنسخ عدة السنة بالعدة بالأشهر ، والوصية بالميراث.
روى البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ...) الآية قال : كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله ، ثم أنزل الله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)[البقرة : ٢٣٤] فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها. وقال في ميراثها : (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ)[النساء : ١٢] فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة. فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج فذلك المعروف.
وفي صحيح البخاري قال ابن الزبير : قلت لعثمان : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ...) الآية ، قد نسختها الآية الأخرى وهي (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) فلم تكتبها. فقال : يا ابن أخي لا أغير شيئا من مكانه.
وهذا إخبار أجلة الصحابة بالنسخ. وقول الصحابي فيه مقبول فلا يعارضه قول مجاهد : (إن الآية ثابتة غير منسوخة) ومعناه أن تمام السنة على أربعة أشهر وعشر إنما هو بالوصية : إن شاءت سكنت ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
