__________________
ـ لأن الحكم المؤبد وإن كان ظاهرا في البقاء لكن الناسخ نص في الارتفاع وكم من ظاهر يترك بالنص.
وإذا تقرر ذلك فلا يرد الوجهان الأولان ، نعم الممتنع أن يجعل التأبيد قيدا للوجوب بأن يخبر أن الوجوب ثابت أبدا ثم ينسخ فيأتي زمان لا وجوب فيه. وما ذكروه من الوجوه إنما يبطل هذا القسم ومثله غير واقع ، ولا النزاع حاصل فيه. وما ذكروه في الوجه الثالث من جواز نسخ شريعتنا فغير صحيح ؛ لأنا لا نمنع من جوازه فيها عقلا ولكن نمنع وقوعه فيها شرعا والمدعى الأول.
الشبهة الثالثة :
أنه لو جاز رفع الحكم بعد وقوعه : فإما أن يكون رفعه قبل وجوده ، أو بعد عدمه ، أو حال وجوده ، والكل محال. أما الأول فلأن رفعه يقتضي سابقة وجوده ؛ لأن العدم الأصلي لا يكون ارتفاعا والغرض أنه لم يوجد. وأما الثاني فلأن رفع المعدوم ممتنع لما يلزم عليه من تحصيل الحاصل. وأما الثالث لما يلزم عليه من اجتماع النفي والإثبات فيوجد حين لا يوجد.
الجواب على هذه الشبهة :
ليس المراد من نسخ الحكم رفعه وإزالته بالكلية ، إنما المراد امتناع استمرار المنسوخ وأنه لو لا الخطاب الدال على الارتفاع لاستمر ، وذلك لا يلزم عليه شيء مما قيل.
أو يقال : إن الشبهة تتجه أن لو كان المراد من الرفع رفع الفعل ، ونحن لا نقول بذلك ، بل المراد من النسخ زوال التعلق بطبيعة الفعل التي توجد بتوارد الأفراد الذي كان مستمرّا لو لا المزيل كما يزول هذا التعلق بالموت لا أن الفعل يرتفع بالنسخ فأين هذا من ذاك؟!
إثبات وقوعه شرعا :
اتفق أهل الملل قاطبة على وقوع النسخ شرعا لا فرق في ذلك بين شريعة وشريعة. وخالف في ذلك أبو مسلم الأصفهاني من المسلمين وطائفة من اليهود وملاحدة هذا العصر. والأدلة الآتية كافية في إثباته على كل من الفريقين.
ولنبدأ بالأدلة القامعة لأفكار اليهود والملاحدة ثم بالأدلة على أبي مسلم.
الأدلة القامعة لإنكار اليهود :
الدليل الأول :
أنه ورد في التوراة أن الله تعالى أمر آدم بأن يزوج بناته من بنيه ؛ روى الطبراني عن ابن مسعود وابن عباس : «كان لا يولد لآدم غلام إلا ولدت معه جارية ، فكان يزوج توأمة هذا للآخر ، وتوأمة الآخر لهذا». وقد حرم ذلك في الشرائع التي بعدها بالاتفاق بيننا وبينكم أيها اليهود وهذا هو النسخ.
الدليل الثاني :
ورد في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليهالسلام عند الخروج من الفلك : (جعلت كل دابة حية مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه) ثم حرم منها كثير على لسان موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما في السفر الثالث من التوراة ، فلزم القول بالنسخ.
فإن قال الخصم في هذين الدليلين : (يحتمل أن أمر آدم والإباحة لنوح وذريته كانا مطلقين بظهور شريعة من بعده) قلنا : (الأمر لآدم والإباحة لنوح كانا مطلقين والأصل عدم التقييد) .. وإن قيل : (إنه كان ذلك مقيدا في علم الله تعالى بظهور شريعة أخرى) .. قلنا : (هذا هو النسخ بعينه) فإن الله تعالى إذا أمر بالفعل مطلقا فهو عالم بأنه سينسخه ، ويعلم وقت نسخه .. فتقييده في علمه لا يخرجه عن حقيقة النسخ. ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
