وقال بعضهم : الآية في المنافقين ؛ يقول : [اعملوا](١) فيما تستأنفون ؛ فإن الله يطلع رسوله والمؤمنين على نفاقكم (٢) فتفتضحون ، حيث يطلعون على سرائركم.
(وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ).
أي : تردون إلى ما أعد لكم [في] عالم الغيب والشهادة.
(فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
أي : يجزيكم جزاء ما كنتم تعملون ؛ يخرج ذلك على الوعيد.
وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم شهد جنازة والمؤمنون ـ أيضا ـ شهدوها ، فأثنى عليها ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «وجبت» ، فقيل : يا رسول الله ، ما وجبت؟ قال : «الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض ، فإذا شهدتم وجبت» (٣).
ثم [قرأ](٤) قوله : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ).
فإن ثبت هذا ففيه دلالة جواز حجة الإجماع (٥) ؛ لأنه قال : «الملائكة شهداء الله في
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) في أ : نفاقهم.
(٣) أخرجه النسائي في سننه (٤ / ٥١) كتاب الجنائز باب الثناء (١٩٣٢).
وبمعناه أخرجه أحمد في المسند (٢ / ٤٦٦ ، ٤٧٠) ، وأبو داود (٢ / ٢٣٧) كتاب الجنائز باب في الثناء على الميت (٣٢٣٣) ، وابن ماجة (٣ / ٤٣ ـ ٤٤) كتاب الجنائز باب ما جاء في الثناء على الميت (١٤٩٢) عن أبي هريرة.
(٤) سقط في أ.
(٥) استدل الشافعي ـ رضي الله عنه ـ على حجية الإجماع في (رسالته) بقوله تعالى : (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً) [النساء : ١١٥] قال في تقرير التحبير : ذكر السبكي : أن الشافعي استنبط الاستدلال بهذه الآية بعد أن تلا القرآن ثلاث مرات ، وأنه لم يسبق إليه ، وقد احتجوا بآيات أخرى ، ولكن هذه الآية أشهرها وأقواها دلالة ، ووجه الدلالة فيها أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ جمع بين مشاقة الرسول ، واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد ، فيلزم أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين حراما ، إذ لا يضم مباح إلى حرام في الوعيد كالزنى ، وإذا حرم اتباع غير سبيلهم وجب اتباع سبيلهم ، إذ لا مخرج عنهما ، والإجماع سبيلهم ، فيجب اتباعه. قال السعد التفتازاني : قوله : (إذ لا مخرج عنهما) إشارة إلى أن حرمة اتباع غير سبيلهم ، وإن كانت أعم من وجوب اتباع سبيلهم بحسب المفهوم ، لكن لا مخرج بحسب الوجود من اتباع غير سبيلهم واتباع سبيلهم ؛ لأن ترك اتباع سبيلهم اتباع لسبيل غيرهم ، إذ معنى السبيل هاهنا ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو فعل ، وقد اعترض على هذا الدليل بوجوه كثيرة ، وانفصلوا عنها أصعبها ما نذكره ، وهو أن هذه الآية ظاهرة لعدم قطعية لفظ سبيل المؤمنين في خصوص المدعى ، وهو ما أجمع عليه واحتماله وجوها من التخصيص ، لجواز أن يراد سبيلهم في متابعة الرسول أو في مناصرته ، أو في الاقتداء به ، أو فيما به صاروا مؤمنين ، وهو الإيمان ، وإن قام الاحتمال كان غايتها الظهور ، والتمسك بالظاهر ، إنما يثبت بالإجماع ، ولولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة من اتباع الظن نحو قوله تعالى : (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء : ٣٦] ، ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
