__________________
ـ فيكون إثباتا للإجماع بما لا تثبت حجيته إلا به فيصير دورا ، وأجاب شارح التحرير على طريقة أكثر الحنفية بما حاصله أنا لا نسلم أن الآية ليست قطعية ، بل هي قطعية ، واحتمال التخصيص غير قادح ، فإن حكم العام ثبوت الحكم فيما يتناوله قطعا فيتم التمسك بها من غير احتياج إلى الإجماع فلا دور ، وناقشه شارح مسلم الثبوت بأن معنى كون العام قطعيا فيما يتناوله ، وله أنه لا يحتمل خلافه احتمالا ناشئا عن دليل ، وإن كان فيه مطلق احتمال فهو قطعي بالمعنى الأعم ، والإجماع قطعي بمعنى أنه يقطع الاحتمال مطلقا ، فهو قطعي بالمعنى الأخص ، فالعام وإن قلنا بقطعيته لا يصلح أصلا ، ومثبتا للإجماع إذ المستند إلى الشيء لا يكون أعلى حالا منه ، وأجيب ثانيا : سلمنا أن الآية ليست قطعية بل غايتها الظهور ، لكنا لا نسلم أن التمسك بالظاهر ، إنما يثبت بالإجماع ، بل لأن العدول إلى خلافه بلا دليل يحتمله غير معقول.
احتجوا منها بأحاديث كثيرة :
منها : ما أخرجه أبو داود عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «إن الله أجاركم من ثلاث خلال : ألا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا ، وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق ، وألا تجتمعوا على ضلالة».
ومنها : ما رواه أحمد والطبراني عن ابن هانئ الخولاني عمن أخبره عن أبي بصرة الغفاري قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «سألت ربي أربعا فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة سألت ربى ألا تجتمع أمتي على ضلالة ، فأعطانيها ...» الحديث ، قال في (التقرير) : قال شيخنا الحافظ : رجاله رجال الصحيح أيضا أخرجه الطبري في تفسير سورة الأنعام.
ومنها : قوله صلىاللهعليهوسلم : «إن الله لا يجمع أمتي ـ أو قال : أمة محمد ـ على ضلالة ، ويد الله مع الجماعة ، ومن شذ شذ إلى النار» رواه الترمذي عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلىاللهعليهوسلم وقال : غريب من هذا الوجه.
ومنها : ما رواه ابن ماجه بلفظ : «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم».
ومنها : قوله صلىاللهعليهوسلم : «من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» أخرجه الحاكم في (مستدركه) من حديث أبي ذر إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تحصى.
ووجه الاستدلال بها أنها ، وإن رويت آحادا لكن القدر المشترك بينها ـ وهو عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة ـ قد تواتر وحصل العلم به ؛ لما صرحوا به من أن كثرة الآحاد المتفق في معنى ، ولو التزاما ما توجب العلم بالقدر المشترك بينها ، وهذا العلم ضروري لا يحتاج إلى دليل ، بل يعلم تحققه عند الرجوع إلى الوجدان ، وهو المسمى في الاصطلاح بالتواتر المعنوي كشجاعة علي وجود حاتم ، وقد اعترض على هذا الدليل من وجهين :
الأول : أنا لا نسلم أن هذه الأحاديث بلغت مبلغ التواتر المعنوي ، فإنه ليس بمستحيل في العرف إقدام عشرين على الكذب في واقعة معينة بعبارات مختلفة.
والجواب : أن ما ذكر تشكيك في الضروري فإن كل واحد من هذه الأخبار بانفراده ، وإن جاز تطرق الكذب إليه ، إلا أن كل عاقل يجد من نفسه بعد الاطلاع على جملة هذه الأخبار أن قصد رسول الله صلىاللهعليهوسلم منها تعظيم هذه الأمة ، وعصمتها عن الخطأ كما علم بالضرورة سخاء حاتم ، وشجاعة علي ، وإقدام عشرين ، أو أكثر من العدول الأخيار من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم على الكذب في واقعة من الوقائع ، مما لا يكاد يتوهم خصوصا ، وقد تلقت الأمة هذه الأخبار بالقبول ، واحتجت بها في عصر الصحابة والتابعين ، على أنه لو تم ما قلتم لاقتضى إنكار التواتر المعنوي رأسا إذ مثله يرد على كل من ادعى تواتر معناه. ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
