مضت السنة من رسول الله صلىاللهعليهوسلم في بعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ صدقات الأنعام والمواشي في مواضعها ، وعلى ذلك فعل الأئمة من بعد : أبو بكر ، وعمر ، والأئمة الراشدون ، وظهر العمل بذلك من بعدهم إلى هذا الوقت ، حتى قال أبو بكر لما امتنعت العرب من إعطائه الزكاة : والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم حاربتهم عليها. فذلك يؤيد ما ذكرنا من مطالبة الإمام أصحاب الأنعام والمواشي بزكاة أنعامهم ومواشيهم.
وقد بين الله تعالى وجوب ذلك بيانا شافيا بقوله : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ) [التوبة : ٦٠] الآية ، فجعل للعاملين عليها حقّا ، فلو لم يكن على الإمام أن يطالب بصدقات الأنعام في أماكنها ، وكان أداء ذلك إلى أرباب الأموال ؛ ما كان لذكر العاملين وجه ، ولم يبلغنا أن النبي بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق (١) وأموال التجارة (٢) ،
__________________
ـ ثم قال الحنابلة : تفرقتها بنفسه ، أولى وأفضل من دفعها إلى الإمام ؛ لأنه إيصال للحق إلى مستحقه ، فيسلم عن خطر الخيانة من الإمام أو عماله ، ولأن فيه مباشرة تفريج كربة من يستحقها ، وفيه توفير لأجر العمالة ، مع تمكنه من إعطاء محاويج أقربائه ، وذوي رحمه ، وصلتهم بها ، إلا أنه إن لم يثق بأمانة نفسه فالأفضل له دفعها إلى الساعي ، لئلا يمنعه الشح من إخراجها.
أما لو طلب الإمام العادل الزكاة فإنه يجب الدفع إليه اتفاقا ، وسواء كان المال ظاهرا أو باطنا ، والخلاف في استحقاقه جمع زكاة المال الباطن لا يبيح معصيته في ذلك إن طلبه ؛ لأن الموضع موضع اجتهاد ، وأمر الإمام يرفع الخلاف كحكم القاضي ، كما هو معلوم من قواعد الشريعة.
وصرح المالكية بأن الإمام العدل إن طلبها فادعى المالك إخراجها لم يصدق.
ينظر : المغني (٢ / ٦٤١ ـ ٦٤٣) ، وفتح القدير والعناية (١ / ٤٨٧ ، ٤٨٨) ، والدسوقي (١ / ٥٠٣) ، والأحكام السلطانية للماوردي (ص ١١٣) ، وشرح المنهاج (٢ / ٤٢) ، وتحفة المحتاج (٣ / ٣٤٤) ، والمجموع (٦ / ١٦٧ ، ١٦٨).
(١) يقال للفضة المضروبة : (ورق) و (رقة) ، وقيل : تسمى بذلك مضروبة كانت أو غير مضروبة ، ونصاب الفضة مائتا درهم بالإجماع ، وقد ورد فيه قول النبي صلىاللهعليهوسلم : «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» والأوقية ٤٠ (أربعون) درهما ، وفي كتاب أنس المرفوع : (وفي الرقة ربع العشر ، فإن لم يكن إلا تسعون ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها).
ثم الدرهم المعتبر هو الدرهم الشرعي ، وما زاد عنه أو نقص فبالوزن.
وقيل عند بعض الحنفية : إن المعتبر في حق كل أهل بلد دراهمهم بالعدد.
ينظر : المصباح مادة : (ورق) ، وشرح فتح القدير (١ / ٥٢٢ ، ٥٢٤) ، وابن عابدين (٢ / ٣٠) ، والمغني (٣ / ٢) ، والشرح الكبير (١ / ٤٥٥).
(٢) التجارة تقليب المال بالبيع والشراء لغرض تحصيل الربح.
جمهور الفقهاء على أن المفتى به هو وجوب الزكاة في عروض التجارة ، واستدلوا لذلك بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ)[البقرة : ٢٦٧].
وبحديث سمرة : (كان النبي صلىاللهعليهوسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع).
وحديث أبي ذر مرفوعا : «في الإبل صدقتها ، وفي الغنم صدقتها ، وفي البز صدقتها» وقال ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
