ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن للإمام أن يطالب بزكاة الأموال (١) ، وكذلك
__________________
(١) للإمام حق أخذ الزكاة من المال الذي وجبت فيه. وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم والخليفتان بعده يأخذون الزكاة من كل الأموال ، إلى أن فوض عثمان ـ رضي الله عنه ـ في خلافته أداء الزكاة عن الأموال الباطنة إلى ملاكها ، كما يأتي :
ودليل ذلك قوله تعالى لنبيه صلىاللهعليهوسلم : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها)[التوبة : ١٠٣] وقول أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ : «والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم لقاتلتهم على منعه» واتفق الصحابة على ذلك.
ويجب على الإمام أخذ الزكاة ممن وجبت عليهم ، فقد صرح الشافعية بأنه يجب على الإمام بعث السعاة لأخذ الصدقات ؛ لأن النبي صلىاللهعليهوسلم والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة ، ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه ، ومنهم من يبخل. والوجوب هو أحد قولي المالكية ، واحتجوا بقوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً).
والذين رخصوا للإمام في عدم أخذ الزكاة من جميع الأموال أو من بعضها دون بعض ، إنما هو إذا علم الإمام أنهم إذا لم يأخذها منهم أخرجوها من عند أنفسهم ، أما لو علم أن إنسانا من الناس أو جماعة منهم لا يخرجون الزكاة فيجب على الإمام أخذها منهم ولو قهرا ، كما تقدم ؛ لأن الإمامة لحراسة الدين وسياسة الدنيا ، ومنع الزكاة هدم لركن من أركان الدين.
حكم دفع الزكاة إلى الإمام العادل :
المراد بالإمام العادل هنا من يأخذ الزكاة بحقها ، ويعطيها لمستحقها ، ولو كان جائرا في غير ذلك على ما صرح به المالكية.
ومن دفع زكاة ماله إلى الإمام العادل جاز ، وأجزأت عنه اتفاقا.
ولو كان بإمكانه دفعها إلى الإمام وتفريقها بنفسه فقد اختلف الفقهاء في ذلك :
فذهب مالك وأبو حنيفة وأبو عبيد ، وهو القديم من قولي الشافعى ، إلى التفريق بين الأموال الظاهرة ، وهي الزروع ، والمواشي ، والمعادن ، ونحوها ، وبين الأموال الباطنة وهي الذهب والفضة والتجارات.
فأما الظاهرة فيجب دفعها إلى الإمام ؛ لأن أبا بكر طالبهم بالزكاة وقاتلهم عليها ، ووافقه الصحابة على هذا ، فليس للمزكي إخراجها بنفسه ، حتى لقد صرح الشافعية بأنه لو أخرجها كذلك لم تجزئه.
ولأن ما للإمام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولى عليه ، كولي اليتيم.
وأما زكاة الأموال الباطنة فقال الحنفية : للإمام طلبها ، وحقه ثابت في أخذ الزكاة من كل مال تجب فيه الزكاة ، للآية. وما فعله عثمان ـ رضي الله عنه ـ أنه فوض إلى الملاك زكاة المال الباطن ، فهم نوابه في ذلك ، وهذا لا يسقط طلب الإمام أصلا ، ولهذا لو علم أن أهل بلدة لا يؤدون زكاتهم طالبهم بها. فأما إذا لم يطلبها لم يجب الدفع إليه.
وقال المالكية والشافعية : زكاة الأموال الباطنة مفوضة لأربابها ، فلرب المال أن يوصلها إلى الفقراء وسائر المستحقين بنفسه.
وذهب الحنابلة ـ وهو الجديد المعتمد من قولي الشافعي ـ إلى أن الدفع إلى الإمام غير واجب في الأموال الظاهرة والباطنة على السواء ، فيجوز للمالك صرفها إلى المستحقين مباشرة ، قياسا للظاهرة على الباطنة ، ولأن في ذلك إيصال الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه ، فيجزئه ، كما لو دفع الدين إلى غريمه مباشرة ، وأخذ الإمام لها إنما هو بحكم النيابة عن مستحقها ، فإذا دفعها إليهم جاز ؛ لأنهم أهل رشد.
ثم قال الشافعية في الأظهر : الصرف إلى الإمام أفضل من تفريقها بنفسه ؛ لأنه أعرف بالمستحقين ، وأقدر على التفريق بينهم ، وبه يبرأ ظاهرا وباطنا. ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
