وفي قوله : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) دلالة أن الصدقة إذا وقعت في يد المتولي والعامل عليها سقطت عن أربابها ، وإن لم تقع في أيدي الفقراء ولم تصل إليهم (١) ؛ لأن النبي صلىاللهعليهوسلم كان لا يحل له الصدقة ، ثم أخبر أنه إذا أخذها منهم كانت طهارة لهم وتزكية.
وفيه استدلال لمحمد بن الحسن في الوقف (٢) ؛ أن الوقف إذا وقف وأخرجه من يده وجعله في يد آخر ممن لا حق له في ذلك كان جائزا ، وكان (٣) وقفا صحيحا (٤).
__________________
(١) وإذا تلف من مال الزكاة شيء في يد الإمام أو الساعي ضمنه إن كان ذلك بتفريط منه بأن قصر في حفظه ، وكذا لو عرف المستحقين وأمكنه التفريق عليهم فلم يفعل حتى تلفت ؛ لأنه متعد بذلك ، فإن لم يتعد ولم يفرط لم يضمن.
قال النووي : ينبغي للإمام والساعي وكل من يفوض إليه أمر تفريق الصدقات أن يعتني بضبط المستحقين ، ومعرفة أعدادهم ، وأقدار حاجاتهم ، بحيث يقع الفراغ من جمع الصدقات بعد معرفتهم أو معها ، ليعجل حقوقهم ، وليأمن هلاك المال عنده.
ينظر : المجموع (٢ / ١٧٥) ، والشرح الكبير والدسوقي (١ / ٤٩٥) ، وروضة الطالبين (٢ / ٣٣٧).
(٢) فهو لغة : الحبس ، مصدر وقفت أقف : حبست.
قال عنترة :
|
ووقفت فيها ناقتي فكأنها |
|
فدن لأقضي حاجة المتلوم |
ومنه الموقف ؛ لأن الناس يوقفون أي يحبسون للحساب ، وهو أحد ما جاء على (فعلته ففعل) ، يأتي لازما ومتعديا ، ويجتمعان في قول القائل : وقفت زيدا ، أو الحمار فوقف ، وأما أوقفته بالهمز ، فلغة رديئة.
وقال أبو الفتح بن جني : أخبرني أبو علي الفارسي عن أبي بكر عن أبي العباس عن أبي عثمان المازني قال : يقال : وقفت داري وأرضي ، ولا يعرف (أوقفت) في كلام العرب.
وقال الجوهري : وليس في الكلام أوقفت إلا حرفا واحدا ، أوقفت على الأمر الذي كنت عليه ، ثم اشتهر المصدر أي الوقف في الموقوف ، فقيل : هذه الدار وقف ، أي موقوف ، كنسج اليمن بمعنى منسوج اليمن ، ولذا جمع على أفعال فقيل : (وقف وأوقاف) ، كوقت وأوقات.
انظر : تحرير التنبيه (٢٥٩) المغرب (٤٩١).
واصطلاحا :
عرفه الحنفية بأنه : حبس العين على حكم ملك الله تعالى والتصدق بالمنفعة.
عرفه الشافعية بأنه : حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود.
عرفه المالكية بأنه : جعل منفعة مملوك ولو بأجره أو غلته لمستحقه بصيغة مدة ما يراه المحبس.
عرفه الحنابلة بأنه : تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته بصرف ريعه إلى جهة بر ، وتسبيل المنفعة تقربا إلى الله تعالى.
انظر : الهداية (٣ / ١٣) ، ومجمع الأنهر (١ / ٧٣١) ، ومغني المحتاج (٢ / ٣٧٦) ، والشرح الصغير (٥ / ٣٧٣) ، وكشاف القناع (٤ / ٢٤٠) ، الإقناع (٢ / ٨١) ، نهاية المحتاج (٥ / ٣٥٨).
(٣) في ب : ويكون.
(٤) ينظر بدائع الصنائع (٦ / ٢١٩).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
