ذكر في بعض الأخبار (١) عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «لو لا أن أشق على أمتي ـ أو قال : على المؤمنين ـ وإلا لخرجت في كل سرية بعثتها» ؛ لأنهم لا يجدون ما ينفقون فيخرجون ولا أجد ما أحملهم عليه ، فيشق عليهم مفارقتهم إيانا ، فلا حرج بتركهم الخروج إذا لم يجدوا ما ينفقون ولا [ما](٢) يحمل عليه.
قوله تعالى : (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ)(٩٦)
ثم قال : ولكن السبيل على الذين يجدون ما ينفقون فيتركون الخروج بقوله : (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ) ، يعني : النساء (٣) ، (وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ، هذا قد ذكر هاهنا (وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ، وذكر في الآية الأولى : (وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) [التوبة : ٨٧].
والفقه : هو معرفة الشيء بغيره ، والعلم : هو وقوع العلم لا بغيره ؛ ولذلك يقال : الله عالم ، ولا يجوز أن يقال : فقيه ، فأخبر ـ عزوجل ـ أنهم لا عرفوا الشيء بغيره [و] لا بنفسه ؛ عنادا منهم ومكابرة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ).
فيه إنباء عما يقول لهم المنافقون إذا رجعوا إليهم ، وتعليم من الله لرسوله والمؤمنين ما يقولون لهم ، وما ذا يجيبون عليهم فقال : (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ) ، أي : لن نصدقكم بما تعتذرون ، أي : بما تظهرون لأنفسكم من العذر.
__________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٤٦٥) كتاب الجهاد باب الترغيب في الجهاد ، والبخاري (١ / ١٢٨) كتاب الإيمان باب الجهاد من الإيمان (٣٦) ، ومسلم (٣ / ١٤٩٥ ، ١٤٩٧) كتاب الإمارة باب فضل الجهاد (١٠٣ / ١٨٧٦) عن أبي هريرة بلفظ «لو لا أن أشق على أمتى ما قعدت خلف سرية» وفي لفظ «لأحببت ألا تخلف عن سرية».
(٢) سقط في أ.
(٣) ينظر : بيان شروط الجهاد في ص (١٤٩٩).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
