وأصله ـ والله أعلم ـ : أن كل ما لم يعمل في المنع عن الخروج لشهوة ، أو لطمع يرجو نيله من التجارة ونحوها ـ لم يكن ذلك عذرا في ترك الخروج ؛ إذ شدة الحرّ وبعد السفر وخوف العدوّ مما لا يمنعهم عن الخروج للتجارة ، فلم يصر ذلك عذرا في التخلف عن الخروج للجهاد ، وأما حال المرض والزمانة وعدم النفقة فيمنعهم ويعجزهم عن الخروج في كل ما يهوون ويشتهون ، فصار ذلك عذرا لهم بالتخلف عن الخروج للجهاد.
والثاني : أن كل ما يقدر على دفعه بحال لم يجعل ذلك عذرا في التخلف ، وكل ما لا سبيل لهم إلى دفعه فهو عذر ، والحر وبعد السفر وخوف العدو يجوز أن يدفع فيصير كأن ليس ، وهو ما ذكر : (قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا) [التوبة : ٨١] ، فإذا ذكر شدة حر جهنم وبعد سفر الآخرة وأهواله ، هان عليه الخروج وسهل ، فارتفع ذلك ؛ فلذلك صار أحدهما عذرا والآخر لا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ).
قيل (١) : لم يخدعوا أحدا في دينه ، ولم يغشوه في دنياه.
وقيل : (إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) ، أي : أطاعوا الله ورسوله في الحضرة ، ولم يتركوا طاعته.
[وقوله : (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) أي : ما على المحسنين من سبيل في تركهم الخروج إذا لم يقدروا على الخروج ؛ لما ذكرنا من الزمانة وعدم ما ينفقون](٢).
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
بتركهم الخروج وتخلفهم عن الجهاد مع أصحاب الأعذار.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ).
__________________
ـ يكون جائزا ، وما روي عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة أتى النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : «يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك ، فقال : هل لك من أم؟ قال : نعم ، فقال الزمها فإن الجنة عند رجليها» رواه أحمد والنسائي ، ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلىاللهعليهوسلم لم يسمح بالجهاد لمن رغب فيه ، وأمره أن يقوم بحقوق والدته المتعينة عليه. وترجع هذه الشروط إلى قاعدتين : إحداهما : أن التكليف مبني على الوسع والطاقة ، وبهذه القاعدة اشترطت الذكورة والبلوغ والعقل وسلامة الأعضاء والحواس ووجود الأهبة ، والثانية : أن التكليف بشيء مشروط بعدم تضييع حقوق أخرى هي أهم منها في نظر الشريعة ، ومن ذلك منع الدين على التفصيل المتقدم ، واحتياج الولد إلى إذن أبويه في الخروج إلى الجهاد ، ومنع الرق.
ينظر : الجهاد لشحاتة محمد شحاتة ص (٥٧).
(١) في أ : وقيل.
(٢) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
