الله ، لكن المؤمنين لا يمتنعون عن الخروج في سبيل الله ؛ إذ قالوا لهم مطلقا : «لا تنفروا» ، وهو كقوله : (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) [آل عمران : ١٧٣] ، كانوا يجبنون المؤمنين عن الخروج إلى الغزو ، وكانوا يحتالون في منعهم المؤمنين عن الخروج في سبيل الله ، ولو أطلقوا القول في المنع وصرحوه لفهم المؤمنون ذلك ، ولظهر نفاقهم.
وجائز أن يكون قولهم : (لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) قالوا ذلك لأتباعهم ، لا للمؤمنين ؛ كقوله : (وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى) [آل عمران : ١٥٦].
وقوله ـ عزوجل ـ : (قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ) [أي : لو كانوا يفقهون](١) ما أنزل على رسول الله لعلموا أن نار جهنم أشد حرّا من حر الدنيا.
أو لو كانوا يفقهون أنهم لم يخلقوا في الدنيا للدنيا خاصّة ، ولكن خلقهم [فيها](٢) ليمتحنهم ؛ لعلموا أن الموعود في الآخرة أشد مما امتحنوا في الدنيا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً).
يشبه أن يكون الضحك كناية عن الفرح والسرور ، والبكاء كناية عن الحزن ؛ يقول : افرحوا وسروا قليلا ، وتحزنون في الآخرة طويلا كثيرا.
ويمكن (٣) أن يكون على حقيقة الضحك ؛ لأنهم كانوا يضحكون ويستهزءون بالمؤمنين في الدنيا ؛ يقول : ضحكوا قليلا ؛ لأن الدنيا قليلة تنقطع ، ويبكون كثيرا في الآخرة ؛ لأنها لا تنقطع (جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ).
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ).
[دل](٤) قوله : (رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ) ، أي : ليس كل من تخلف عنه في ذلك فهو منافق ، ولا كل المنافقين امتنعوا وتخلفوا عنه.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا).
لأنه أخبر أن خروجهم معهم لا يزيدهم إلا خبالا وفسادا ، فيقول : (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، أي : عوقبوا بالقعود أول مرة لنفاقهم.
وقوله : (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً) ، أي : لن آذن لكم أن تخرجوا معي أبدا ، ولن آذن
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) سقط في أ.
(٣) في ب : أو أمكن.
(٤) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
