ويحتمل ـ أيضا ـ : الأمر بالمجاهدة الكفار ، يجاهدهم بالسيف ، ويغلظ القول ويشدده على المنافقين ، ويقيم عليهم الحدود.
فإن كان على مجاهدة الفريقين جميعا بالسيف ، فهو ـ والله أعلم ـ في المنافقين الذين انفصلوا من المؤمنين ، وخرجوا من بين أظهرهم ، وأظهروا الخلاف للمؤمنين بعد ما أظهروا الموافقة لهم ، فأمثال هؤلاء يجاهدون بالسيف ويقاتلون به ، وهو كقوله : (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ) [الأحزاب : ٦٠] إلى قوله : (مَلْعُونِينَ) [الأحزاب : ٦١] الآية ، أخبر أنهم يؤخذون ويقتلون أينما وجدوا ، فيشبه أن تكون الآية في الأمر بالجهاد في هؤلاء المنافقين.
ويحتمل وجها آخر : وهو أن المنافقين كانوا يطعنون في رسول الله ويعيبون عليه ، فأطلع الله رسوله على ذلك ، وهم قد علموا أن الله أطلعه على ما يطعنون فيه ويذكرونه بسوء ، فيقول ـ والله أعلم ـ : جاهدهم إذا طعنوا فيك وذكروك بسوء بعد ذلك.
وإن كان الأمر على المجاهدة مجاهدة بالحجج ، فهو صلىاللهعليهوسلم قد حاج الفريقين جميعا بالحجج ، وخاصة سورة براءة إنما أنزلت في محاجة المنافقين.
ويحتمل الأمر بالجهاد في الكفار خاصّة ، وفي المنافقين تغليظ القول والتشديد ، وإقامة الحدود التي ذكرنا ، والتعزير (١) إذا ارتكبوا شيئا مما يجب فيه الحد أو التعزير ـ والله أعلم بذلك ـ لما أقاموا بين أظهر المؤمنين مظهرين لهم الموافقة.
[وقوله : (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) هذا في المنافقين الذين ماتوا على النفاق.](٢).
وقوله ـ عزوجل ـ : (يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ).
__________________
ـ الكتاب : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ...) الآية [التوبة : ٢٩] ؛ وسيف للمنافقين : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ)[التوبة : ٧٣] وسيف للبغاة : (فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ...) الآية [الحجرات : ٩] الآية ، وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق ، وهو اختيار ابن جرير. انتهى.
ينظر : محاسن التأويل (٨ / ٢٦٢ ، ٢٦٣) ، وأحكام القرآن (ص ٩٦٦).
(١) أصله من العزر وهو في اللغة بمعنى الرد والمنع ؛ وذلك لأنه يمنع من معاودة القبيح ، ويطلق أيضا على التفخيم والتعظيم ، ومنه قوله تعالى : (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) [الفتح : ٩] ، فهو من الأضداد.
وشرعا : تأديب دون الحد ، فالتعزير في بعض إطلاقاته اللغوية حد. وأما في الشرع فليس بحد ؛ لأنه ليس بمقدر.
ينظر : المصباح المنير ومختار الصحاح مادة (عزر) ، وابن عابدين (٣ / ١٧٧) ، والطحاوي (٢ / ٤١٠) ، والاختيار (٤ / ٧٩) ، وشرح الزرقاني (٨ / ١١٥).
(٢) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
