أي : رضاء الله عنهم أكبر من كل ما أعطاهم ؛ لأن فيه حياة الروح ولذته ، وما أعطاهم من الجنة والمساكن الطيبة فيه حياة الجسد ولذته ، وحياة الروح أرفع وأكبر من حياة الجسد ؛ لأنه لا يؤثر زيادة في الجسد ، كذلك العز والحمد ، وذكر الحسن فيه حياة الروح ولذته ؛ إذ ليس فيه زيادة في الجسد ، إنما هو فرح وسرور يدخل فيه ، وإذا أصابه شيء من الذل أو سمع مكروها ، حزن واهتم من غير أن يتألم جسده أو يجد ألما وشدة في نفسه ، وذلك لما أصاب روحه لم يصب جسده ، وأصله أن العمل في الدنيا لطلب مرضاة الله ، ومرضاته أكبر من العمل لطلب ثوابه ؛ لأن العمل لطلب [رضائه أمر عليه ، والعمل لطلب](١) الثواب أمر له ، فالذي قام بأداء ما عليه أعظم درجة وأكبر فضلا من الذي قام بعمل ما له ؛ لأن كل أحد يعمل ما له وله فيه نفع ، ولا كل أحد يعمل لغيره ؛ لذلك كان ما ذكر.
وقوله ـ عزوجل ـ : (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
لأنه فوز ونجاة ، لا خوف بعده ، ولا هوان ولا ذل.
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)(٧٤)
وقوله ـ عزوجل ـ : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) يحتمل الأمر بالجهاد الفريقين جميعا جهادا بالسيف.
ويحتمل : مجاهدة بالحجج والبراهين الفريقين جميعا (٢).
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) قال في (العناية) : ظاهر الآية يقتضي مقاتلة المنافقين ، وهم غير مظهرين للكفر ، ونحن مأمورون بالظاهر ؛ فلذا فسر الآية السلف بما يدفع ذلك ، بناء على أن الجهاد بذل الجهد في دفع ما لا يرضى ، سواء كان بالقتال أو بغيره ، وهو إن كان حقيقة فظاهر ، وإلا حمل على عموم المجاز ، فجهاد الكفار بالسيف ، وجهاد المنافقين بإلزامهم الحجج ، وإزالة الشبه ونحوه ، أو بإقامة الحدود عليهم ، إذا صدر منهم موجبها ، كما روي عن الحسن في الآية. وقيل عليه بأن إقامتها واجبة على غيرهم أيضا ، وأجيب بأنها في زمنه صلىاللهعليهوسلم أكثر ما صدرت عنهم. انتهى.
قال ابن العربي : هذه دعوى لا برهان عليها ، وليس العاصي بمنافق ، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا ، لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا ، وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين.
وقال ابن كثير : روى عن علي ـ رضي الله عنه ـ قال : بعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم بأربعة أسياف : سيف للمشركين : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)[التوبة : ٥] ؛ وسيف للكفار أهل ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
