إن كانت مسألتك في إحدى ثلاث فقد وجب حقك : في فقر مدقع ، أو غرم مفظع ، أو دم موجع (١).
هذه الأخبار كلها تدل على أن الغارم موضع للصدقة ، قل دينه أو كثر.
فإن قيل : في الخبر : «أو غرم مفظع» ، قيل : لا خلاف بينهم في أن من دينه غير مفظع فله أن يأخذ بقدر دينه من الصدقة ، فهذا يدل أن الذي روي في الخبر إنما هو لكراهة المسألة ، لا على التحريم ، وهكذا نقول : إن المسألة لا تحل له إذا كان غرمه (٢) غير مفظع ، ولكن يحل وضعه عنه وأخذه له.
مسألة : قوله : (وَابْنِ السَّبِيلِ) هو ما ذكرنا أنه (٣) المنقطع من ماله ، جعله الله موضعا للصدقة ، وإن (٤) كان غنيّا في مقامه للحاجة التي بدت له ؛ وعلى ذلك روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله ، أو ابن السبيل ، أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له» (٥).
وفي بعض الأخبار عنه ما ذكرنا قال : «لا تحل الصدقة إلا لخمس ، وفيه : أو [فقير](٦) تصدق عليه فأهداها لغني».
وقد يكون الرجل غنيّا بأن يكون له دار يسكنها ، ومتاع يتهيأه ، وثياب وعزم على الخروج في سفر غزو احتاج من آلات سفره ، وسلاح يستعمله في غزوه ، ومركب يغزو عليه ، وخادم يستغني بخدمته إلى ما لم يكن محتاجا إليه في حال إقامته ، فيجوز أن يعطى من الصدقة ما يستغني به في حوائجه التي يحدثها لسفره ، فهو في مقامه غني بما يملكه ؛ لأنه غير محتاج حينئذ إلى ما وصفنا ، وهو في حال سفره غير غني ، فيحتمل أن يكون معنى قوله : «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله» على من كان غنيّا في حال مقامه ، فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره ؛ لما أحدث له السفر من الحاجة.
ألا ترى أن الرجل قد يكون له المتاع لا يحتاج إليه ، والدابة لا يركبها ، فإذا صار ذلك مائتي درهم لم يجز له أن يأخذ من الزكاة ، فإن عرض له مرض أو سفر فاحتاج إلى دابة
__________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢ / ٤٢٦) (١٠٨٦٤).
(٢) في أ : غرما.
(٣) في أ : أن.
(٤) في أ : فإن.
(٥) أخرجه أبو داود (١ / ٥١٤ ـ ٥١٥) كتاب الزكاة باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني (١٦٣٧) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢ / ٤٢٦) (١٠٦٨١).
(٦) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
