ثم تحتمل الآية جميع الصدقات التي يتصدق بها على الفقراء والمساكين من الفيء وغيره ، فبين أن هؤلاء موضع لذلك كله ، من نحو قوله : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) [الأنعام : ١٤١] وقوله : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها) [التوبة : ١٠٣].
ويحتمل زكاة الأموال (١) المفروضة ، والوجه فيه ما ذكرنا.
فإن قيل : إن الرجل إذا أوصى فقال : ثلث مالي لفلان وفلان [وفلان](٢) ، أليس هو مقسوما بينهما بالسويّة؟ ما منع أن الأوّل بمثله؟
قيل : لا (٣) تشبه الصدقات الوصايا ؛ وذلك أن الوصية إنما وقعت في مال معلوم ، لا يزيد فيه بعد موت الميت شيئا ، ولا يتوهم له مدد ، والصدقات يزيد بعضها بعضا ، وإذا فني مال جاء مال آخر ، وإذا مضت سنة جاءت سنة أخرى بمال جديد ، فإذا دفع الإمام صدقة جميع ما عنده إلى الفقراء ثم حضره غارمون فتحمل إليه صدقة أخرى يجعلها فيهم ، فيصلح بذلك أحوال الجميع ؛ لما لا انقطاع للأموال إلى يوم القيامة.
وكيف تقسم الصدقة على ثمانية أسهم؟ ولا خلاف في أن للعاملين بقدر عمالتهم زاد ذلك على الثمن أو نقص منه ، فإذا زالت القسمة في أحد الأصناف زالت في الجميع ، فأعطي كل صنف منهم بقدر حاجته كما أعطي العاملون ، وكيف يصنع بسهم المؤلفة قلوبهم وقد ارتفع ذلك ونسخ؟ وعلى ذلك جاء عن بعض الصحابة ، من نحو أبي بكر وعمر أنهم لم يعطوهم شيئا ، أليس يرد ذلك على سائر السهام؟! فإذا جاز أن يزاد على الثمن في وقت ، جاز أن ينقص منه في وقت.
وفي قوله : (وَالْعامِلِينَ) دلالة أن لا بأس للأئمة (٤) والقضاة أخذ الكفاية من بيت المال ، ولكل عامل للمسلمين أخذ كفايته ورزقه من ذلك إذا فرغ نفسه لذلك ، وكفها عن
__________________
(١) في ب : المال.
(٢) سقط في أ.
(٣) ينظر المبسوط (٢٨ / ١٣٥).
(٤) جمع إمام وهو كل من ائتم به قوم سواء أكانوا على صراط مستقيم ؛ كما في قوله تعالى : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) [الأنبياء : ٧٣] أم كانوا ضالين ؛ كقوله تعالى : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ) [القصص : ٤١].
ثم توسعوا في استعماله ، حتى شمل كل من صار قدوة في فن من فنون العلم ؛ فالإمام أبو حنيفة قدوة في الفقه ، والإمام البخاري قدوة في الحديث ... إلخ ، غير أنه إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى صاحب الإمامة العظمى ، ولا يطلق على الباقي إلا بالإضافة ؛ لذلك عرف الرازي الإمام بأنه : كل شخص يقتدى به في الدين.
ينظر : الفصل في الملل (٤ / ٩٥).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
