وبعد ، فإنه لو تكلف الإمام أن يظفر بهؤلاء الثمانية ما قدر على ذلك ، دل أنه لم يخرج الخطاب على توهم خصومنا.
ولأن الحق لو كان التسوية بينهم في كل صدقة ، لكان إذا لم يجد في بلدة مكاتبين أو واحدا من هؤلاء الأصناف ، فيجب أن يسقط مقدار حصة من لم يجد عن أربابها ، فذلك بعيد ؛ فقد (١) جاء في الخبر أنه بعث معاذا إلى اليمن ، فقال له : «خذ من أغنيائهم وردّ في فقرائهم» (٢).
ويكره إخراج صدقة كل بلد إلى غيره من البلدان (٣).
__________________
(١) في ب : وقد.
(٢) هو طرف من حديث عن ابن عباس أخرجه البخاري (١٣٩٥ ، ١٤٥٨ ، ١٤٩٦ ، ...) ، ومسلم (٢٩ / ١٩).
(٣) إذا فاضت الزكاة في بلد عن حاجة أهلها جاز نقلها اتفاقا ، بل يجب ، وأما مع الحاجة فيرى الحنفية أنه يكره تنزيها نقل الزكاة من بلد إلى بلد ، وإنما تفرق صدقة كل أهل بلد فيهم ؛ لقول النبي صلىاللهعليهوسلم : «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». ولأن فيه رعاية حق الجوار ، والمعتبر بلد المال ، لا بلد المزكي.
واستثنى الحنفية أن ينقلها المزكي إلى قرابته ، لما في إيصال الزكاة إليهم من صلة الرحم. قالوا : ويقدم الأقرب فالأقرب.
واستثنوا أيضا أن ينقلها إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده ، وكذا لأصلح ، أو أورع ، أو أنفع للمسلمين ، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام ، أو إلى طالب علم.
وذهب المالكية والشافعية في الأظهر والحنابلة إلى أنه لا يجوز نقل الزكاة إلى ما يزيد عن مسافة القصر ؛ لحديث معاذ المتقدم ، ولما ورد أن عمر ـ رضي الله عنه ـ بعث معاذا إلى اليمن ، فبعث إليه معاذ من الصدقة ، فأنكر عليه عمر وقال : لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية ، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم ، فقال معاذ : «ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد من يأخذه مني».
وروي أن عمر بن عبد العزيز أتي بزكاة من خراسان إلى الشام فردها إلى خراسان.
قالوا : والمعتبر بلد المال ، إلا أن المالكية قالوا : المعتبر في الأموال الظاهرة البلد الذي فيه المال ، وفي النقد وعروض التجارة البلد الذي فيه المالك.
واستثنى المالكية أن يوجد من هو أحوج ممن هو في البلد ، فيجب حينئذ النقل منها ولو نقل أكثرها.
ثم إن نقلت الزكاة حيث لا مسوغ لنقلها مما تقدم ، فقد ذهب الحنفية والشافعية ، والحنابلة على المذهب ، إلى أنها تجزئ عن صاحبها ؛ لأنه لم يخرج عن الأصناف الثمانية.
وقال المالكية : إن نقلها لمثل من في بلده في الحاجة فتجزئه مع الحرمة ، وإن نقلها لأدون منهم في الحاجة لم تجزئه على ما ذكره خليل والدردير ، وقال الدسوقي : نقل المواق أن المذهب الإجزاء بكل حال.
وقال الحنابلة في رواية : لا تجزئه بكل حال.
وحيث نقلت الزكاة فأجرة النقل عند المالكية تكون من بيت المال لا من الزكاة نفسها. وقال الحنابلة : تكون على المزكي.
ينظر : ابن عابدين (٢ / ٦٨ ، ٦٩) ، وفتح القدير (٢ / ٢٨) ، والدسوقي (١ / ٥٠٠ ـ ٥٠٢) ، وشرح المنهاج (٣ / ٢٠٢ ، ٢٠٣) ، والمغني (٢ / ٦٧١ ـ ٦٧٤) ، والإنصاف (٣ / ٢٠٢).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
