وعن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنه أتي بصدقة ، فبعثها إلى أهل بيت واحد.
هؤلاء نجباء (١) الصحابة استجازوا وضع الصدقة في صنف واحد ، ولو كان حق كل صدقة أن تقسم بين هؤلاء الأصناف الذين ذكر بالسوية على ما قال القوم ، لكان قال الله ـ عزوجل ـ : إنما الصدقات بين الفقراء وبين من معهم من الأصناف ؛ كما يقال : الميراث لقرابة فلان ، أي : ليس للأجنبيين في ذلك حق ، ولا يقال : الميراث بين قرابة فلان ؛ لأن لكل في ذلك حقّا ؛ لأن حرف «بين» يقتضي التسوية بجميعهم ، وقوله : «لهم» يقتضي أنه لا حق فيه لغيرهم.
ألا ترى أنه يقال : الخلافة لولد العباس ، يراد أنه لا حظ فيها لغيرهم ، والسقاية لبني هاشم (٢) ، ونحوه ، ليس يراد ذلك بينهم بالتسوية ، وإنما يراد ذلك أن لا حق لغيرهم فيها؟!
وبعد ، فإنه لو كان في الآية : إنما الصدقات بين الفقراء وبين من ذكر معهم ، لكان لا يجب قسمة كل صدقة بين هؤلاء الأصناف المذكورة في الآية ؛ لأنه ليس للصدقات انقطاع ، بل لها مداد إذا دفع صدقة واحدة إلى صنف واحد ، فإذا أتي بصدقة أخرى دفع إلى صنف آخر ، هكذا يعمل في الأصناف كلها.
وبعد ، فإنه لم يذكر عن أحد من الأئمة أنه تكلف طلب هؤلاء الأصناف فقسمها بينهم ، وكذلك لم يذكر عن أحد من أرباب الأموال أنهم دفعوا صدقة واحدة بين هؤلاء الذين ذكر ؛ فدل أنه خرج على ما ذكرنا ؛ لأنه لو كان على تسوية كل صدقة بينهم ، لم يجز ألا يقسموها كذلك ويضيعون حق البعض من هؤلاء.
__________________
(١) النجابة : النباهة وظهور الفضل على المثل ، والنجيب : الفاضل على مثله ، النفيس في نوعه ، المعجم الوسيط (٢ / ٩٠١) (نجب).
(٢) هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ، من قريش ، أحد من انتهت إليهم السيادة في الجاهلية ، ومن بنيه النبي صلىاللهعليهوسلم قال مؤرخوه : اسمه عمرو ، وغلب عليه لقبه (هاشم) ؛ لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة في إحدى المجاعات. وهو أول من سن الرحلتين لقريش للتجارة : رحلة الشتاء إلى اليمن والحبشة ، ورحلة الصيف إلى غزة وبلاد الشام وربما بلغ أنقرة.
وهو الذي أخذ الحلف من قيصر لقريش على أن تأتي الشام وتعود منها آمنة. وكان أحد الأجواد الذين ضرب بهم المثل في الكرم ؛ وللشعراء فيه ما يؤيد هذا. ولد بمكة ، وساد صغيرا فتولى بعد موت أبيه سقاية الحاج ورفادته (وهي إطعام الفقراء من الحجاج) ووفد على الشام في تجارة له ، فمرض في طريقه إليها ، فتحول إلى غزة (في فلسطين) فمات فيها ، شابّا ؛ وبه يقال لغزة : (غزة هاشم) وإليه نسبة الهاشميين على تعدد بطونهم.
ينظر : طبقات ابن سعد (١ / ٤٣) ، والكامل في التاريخ (٢ / ٦) ، والطبري (٢ / ١٧٩).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
