__________________
ـ صفة مسجد رسول الله صلىاللهعليهوسلم وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم ، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا ، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس.
وجه الدلالة : أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر ، فلما فسر ابن عباس ـ وهو ترجمان القرآن ـ الفقراء بهم وفسر المساكين بالطوافين ، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي لا يسأل أحدا شيئا أشد من أحوال المحتاج الذي يسأل الناس ويطوف عليهم ـ ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالا من المسكين.
الوجه السادس :
أن الناس اتفقوا على أن الفقر والغنى ضدان ، كما أن البياض والسواد ضدان ، ولم يقل أحد : إن الغنى والمسكنة ضدان بل قالوا : إن الترفع والتمسكن ضدان ، فمن كان منقادا لكل أحد خائفا منهم متحملا لشرهم ساكنا عن جوابهم متضرعا إليهم ، قالوا : إن فلانا يظهر الذل والمسكنة وقالوا : إنه مسكين عاجز ، أما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغنى ، وعلى هذا فقد يصفون الرجل الغني بكونه مسكينا إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك المعارضة ، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعا عن التواضع والمسكنة ، فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال ، والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع ، والأول ينافي حصول المال ، والثاني لا ينافي حصوله.
والوجه السابع :
قوله صلىاللهعليهوسلم لمعاذ في الزكاة : «خذ من أغنيائهم وردها على فقرائهم» ولو كانت الحاجة في المساكين أشد لوجب أن يقول : وردها على مساكينهم ؛ لأن ذكر الأهم أولى.
فهذه الوجوه تدل على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين.
ومهما يكن من أمر هذا الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة في الفقير والمسكين فلا يترتب على هذا الخلاف ثمرة في الزكاة ؛ لأن أبا حنيفة يجوز صرف الزكاة لصنف واحد بل لشخص واحد من صنف ، لكن يظهر في الوصية للفقراء دون المساكين أو المساكين دون الفقراء ، وفيمن أوصى بألف للفقراء ومائة للمساكين ، وفيمن نذر أو حلف ليتصدقن على أحد الصنفين دون الآخر.
وقال قوم آخرون : إن الفقير والمسكين لا فرق بينهما في المعنى وإن افترقا في الاسم ، وإلى هذا ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك ، وروي عن أبي يوسف ورجحه الجلال ، قال : لأن المسكنة لازمة للفقر ؛ إذ ليس معناها الذل والهوان ، فإنه ربما كان بغنى النفس أعز من الملوك الأكابر بل معناها العجز عن إدراك المطالب الدنيوية ، والعاجز مساكن عن الانتهاض إلى مطالبه ، لكن ظاهر الآية يدفع أنهما متحدان ويدل على أنهما مختلفان ؛ لأن العطف يقتضي التغاير.
وحكى ابن بطال أن الفقير هو الذي يسأل ، وأن المسكين الذي لا يسأل ويتعفف عن السؤال ؛ لما روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ليس المسكين الذي ترده الثمرة والثمرتان ولا اللقمة واللقمتان ، إنما المسكين الذي يتعفف» ، اقرءوا إن شئتم : (لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً)[البقرة : ٢٧٣] فظاهر الحديث أن المسكين من اتصف بالتعفف وعدم الإلحاف في السؤال.
وقال الشوكاني : والذي ينبغي أن يعول عليه أن يقال : المسكين : هو من اجتمعت له الأوصاف التي في الحديث ، والفقير من كان ضد الغنى كما في الصحاح والقاموس وغيرهما من كتب اللغة ، فيقال لمن عدم الغنى : فقير ، ولمن عدمه مع التعفف عن السؤال وعدم تفطن الناس له : مسكين ؛ لقوله صلىاللهعليهوسلم : «لكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس».
والذي لا خلاف فيه أن من كان عنده من المال ما يكفيه أو عنده من القدرة على الكسب ما يفي بحاجاته فهو الغني الذي لا تحل له الصدقة ، فعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
