__________________
ـ أن الفقير لزمانته مع حاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من التقلب في الكسب ، ومعلوم أنه لا حالة في البؤس آكد من هذه الحال.
وأنشدوا قول الشاعر لبيد :
|
لما رأى لبد النسور تطايرت |
|
رفع القوادم كالفقير الأعزل |
أي لم يطق الطيران ، فصار بمنزلة من انقطع صلبه ولصق بالأرض ، وقال ابن الأعرابي في هذا البيت : الفقير : المكسور الفقار ، يضرب مثلا لكل ضعيف لا يتقلب في الأمور.
ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة قوله تعالى : (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ)[القيامة : ٢٤ ، ٢٥] ، جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي.
الوجه الثالث :
ما روي أنه صلىاللهعليهوسلم كان يتعوذ من الفقر ، وقال : كاد الفقر أن يكون كفرا ، ثم قال : اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ، فلو كان أسوأ حالا من الفقير لتناقض الخبران ؛ لأنه تعوذ من الفقر ثم سأل حالا أسوأ منه ، أما إذا قلنا : الفقر أشد من المسكنة فلا تناقض البتة.
قال البيهقي : قال أصحابنا : قد استعاذ النبي صلىاللهعليهوسلم من الفقر وسأل المسكنة وقد كان له صلىاللهعليهوسلم بعض الكفاية ، فدل على أن المسكين من له بعض الكفاية ، قال البيهقي : وقد روي في حديث عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلىاللهعليهوسلم استعاذ من المسكنة والفقر ؛ فلا يجوز أن يكون استعاذ من الحال التي شرفها في أخبار كثيرة ولا من الحال التي سأل صلىاللهعليهوسلم أن يحيا ويمات عليها ، قال : ولا يجوز أن تكون مسألته مخالفة لما مات عليه صلىاللهعليهوسلم فقد مات مكفيّا بما أفاء الله تعالى عليه ، قال : ووجه هذه الأحاديث عندي أنه استعاذ من فتنة الفقر والمسكنة اللذين يرجع معناهما إلى القلة ، كما استعاذ من فتنة الغنى ، فقد روت عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يقول : «اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وفتنة الفقر وعذاب القبر وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر ، اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الدجال» رواه البخاري ، ومسلم ، وفيه دليل على أنه صلىاللهعليهوسلم إنما استعاذ من شر فتنة الفقر دون حال الفقر ومن فتنة الغنى دون حال الغنى.
وأما قوله صلىاللهعليهوسلم إن كان قال : «أحيني مسكينا» فإن صح طريقه وفيه نظر ، فالذي يدل عليه حاله عند وفاته صلىاللهعليهوسلم أنه لم يسأل مسكنة يرجع معناها إلى القلة بل مسكنة معناها الإخبات والتواضع وألا يكون من الجبابرة المتكبرين ، وألا يحشر في زمرة الأغنياء المترفين.
الوجه الرابع :
أن كونه فقيرا لا ينافي كونه مسكينا مالكا للمال ، بدليل قوله تعالى : (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ)[الكهف : ٧٩].
وجه الدلالة : أنه وصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير ، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الإنسان سمى فقيرا مع أنه يملك شيئا.
فإن قالوا : الدليل قوله تعالى : (وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ)[محمد : ٣٨] ، فوصف الكل بالفقر مع أنهم يملكون أشياء.
قلنا : هذا بالضد أولى ؛ لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى الله تعالى ، فإن أحدا سوى الله لا يملك البتة شيئا بالنسبة إلى الله تعالى.
الوجه الخامس :
قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ : الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئا قال : وهم أهل الصفة ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
