__________________
ـ وقد اختلف علماء اللغة وأهل الفقه والحديث في الفرق بين الفقير والمسكين وأيهما أشد حالا من الآخر :
فذهب يعقوب بن السكيت والقتبي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير أحسن حالا من المسكين ، قالوا : الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه ، والمسكين هو الذي لا شيء له واحتجوا لذلك بقول الراعي :
|
أما الفقير الذي كانت حلوبته |
|
وفق العيال فلم يترك له سبد |
وجه الدلالة : أنه وصفه بالفقر مع أن له حلوبة.
وذهب إلى هذا أبو حنيفة ومالك وآخرون من أهل اللغة والحديث والفقه.
والسبد : الوبر ، وقيل : الشعر ، والعرب تقول : ما له سبد ولا لبد ، أي ما له وبر ولا صوف متلبد ، ويكنى بهما عن الإبل والغنم.
والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام ، يقال : حلوبته وفق العيال أي له قدر كفايتهم لا فضل فيه.
وقد نوقش الاستدلال بهذا البيت : بأن هذا الذي هو موصوف الآن بكونه فقيرا كانت له فيما مضى حلوبة فلا ينتهض دليلا على ما تدعون.
واستدلوا على أن المسكين أسوأ حالا من الفقير بقوله تعالى : (أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ).
قالوا : لأن المراد أنه يلصق التراب بالعرى ، الأمر الذي يدل على شدة الحاجة.
ونوقش هذا الاستدلال : بأن تقييد المسكين بهذا القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه ذا متربة ، وإنما يكون كذلك بتقدير أنه يملك شيئا وإلا لخلا القيد عن الفائدة.
وقال الشافعي والأصحاب : الفقير هو من لا مال له ولا كسب أصلا أو له مال أو كسب لا يقع موقعا من كفايته ، بأن كان يحتاج كل يوم إلى عشرة دراهم وهو يملك درهمين أو ثلاثة أو أربعة كما قاله القاضي أبو الطيب.
أما المسكين فهو الذي يقدر على ما يقع موقعا من كفايته ولا يكفيه ؛ كمن يحتاج إلى عشرة دراهم ولا يملك إلا سبعة أو ثمانية أو لا يقدر إلا على اكتساب ذلك القدر.
فالفقير أشد حالا من المسكين ، وذهب إلى هذا الأصمعي وغيره وحكاه الطحاوي عن الكوفيين واستدلوا لهذا بوجوه :
الوجه الأول :
أنه أثبت الصدقات لهذه الأصناف المذكورة في الآية الكريمة دفعا لحاجتهم وتحصيلا لمصلحتهم ، وهذا يدل على أن الذي وقع الابتداء به يكون أشد حاجة لأن الظاهر وجوب تقديم الأهم على المهم ، ألا ترى أنه يقال : أبو بكر وعمر ، ومن فضل عثمان على عليّ عليهالسلام قال في ذكرهما : عثمان وعلىّ ، ومن فضل عليّا على عثمان يقول : على وعثمان. وأنشد عمر قول الشاعر :
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال : هلا قدم الإسلام على الشيب ، فلما وقع الابتداء بذكر الفقراء وجب أن تكون حاجتهم أشد من حاجة المساكين.
الوجه الثاني :
قال أحمد بن عبيد : الفقير أسوأ حالا من المسكين ؛ لأن الفقير في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره فصرف عن مفقور إلى فقير ، كما قيل : مطبوخ وطبيخ ومجروح وجريح ، فثبت ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
