ألا ترى أنه قال في آخره : (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ).
وقوله : (وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً).
هو ما ذكرنا ، أي : لا تضروا رسول الله بالتخلف عنه.
وقال بعضهم : لا تضروا الله [شيئا](١).
والأول أشبه ؛ لما ذكرنا.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ) يقول : إن لم تنصروا رسول الله فالله ينصره ، على ما نصره في الوقت الذي كان في الغار ، لم يكن معه أحد من البشر إلا واحد ، فإن لم تنصروه فالله كافيه في النصر ، على ما كفاه ونصره في الحال التي لم يكن معه من البشر [أحد](٢) إلا واحد ، فاليوم لا ينصره ومعه من الأنصار والأعوان ما لا يحصى؟!
وكان ما استنفرهم رسول الله وأمرهم بالخروج إلى العدو ، لم يكن يستنفرهم لمكان نفسه ؛ إذ يعلم أن الله كافيه في نصره ، ولكن إنما كان يستنفرهم ويأمرهم بالخروج لمكان أنفسهم ؛ ليكتسبوا [بذلك](٣) قربا وثوابا عند الله وزلفى ؛ ألا ترى أنه قال : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) ، وقال : (وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً) ، أي : إن لم تنفروا ولم تنصروا رسول الله فلا تضروه شيئا ؛ إذ الله كافيه في نصره.
وإنما عاتبهم بترك النفر والخروج ؛ لئلا يركنوا إلى الدنيا ، ولا يرضوا بالحياة الدنيا من الآخرة على ما ركن أولئك الكفرة ؛ لأن ركونهم إلى الدنيا وحبهم إياها هو الذي منعهم عن اتباع محمد ، وهو الذي حملهم على الكفر بالله ، والتكذيب لرسوله ، وترك الإجابة له فيما يدعوهم إليه ، فيقول ـ والله أعلم ـ للمؤمنين : ولا تركنوا إلى الدنيا ، ولا ترضوا بها من الآخرة ؛ ليمنعكم ذلك عن النفر والخروج إلى ما يأمركم رسول الله ، على ما منع أولئك الكفرة ؛ على ما ذكرنا.
وأصله : أنه إنما استنصرهم لا لحاجة له إلى نصرهم ؛ إذ هو قادر أن ينصر رسوله بما شاء ، لكن طلب منهم النصر له ؛ ليكتسبوا بذلك ثوابا لأنفسهم ، وذكرا في الأجل ، وكذلك ما طلب منهم الشكر له على نعمه ، لا لحاجة له في ذلك ، ولكن ليستديموا النعمة ، ويصلوا إلى الباقية الدائمة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) سقط في أ.
(٣) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
