وقال بعضهم : الآية في المؤمنين ؛ أمروا أن ينفروا في سبيل الله.
(اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ).
قيل (١) : استثقلتم النفر في سبيل الله وأقمتم.
ويحتمل التثاقل : هو أن يروا من أنفسهم الثقل من غير أن أقاموا ؛ كما يقال : يتصامم ويتعامى ، من غير أن كان به الصمم والعمى ، ولكن لما يرى من نفسه ذلك.
وقال بعض أهل الأدب : قوله : (اثَّاقَلْتُمْ).
أي : تثاقلتم وركنتم إلى المقام ، وذلك في القرآن كثير ؛ كقوله : (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً) [الأعراف : ٣٨] أي : تداركوا.
وقوله : (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ).
أي : ما متعكم في الدنيا قليل بما وعد أن يمتعكم في الآخرة.
أو أن يقال : متاع الحياة الدنيا من أولها إلى آخر ما تنتهي قليل من متاع الآخرة وكراماتها ؛ لأن كرامات الدنيا على شرف الزوال ، وكرامات الآخرة على الدوام أبدا.
أو أن يقول : متاع الحياة الدنيا قليل من متاع الآخرة ؛ لأن متاع الدنيا ومنافعها تشوبه الآفات والمضرات ، ومتاع الآخرة لا تشوبه الآفات والمضرات.
وقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ...) الآية.
عاتب المؤمنين بالتثاقل بالخروج إلى الأرض ، ونهاهم عن الركون إلى الدنيا.
__________________
(١) أي أخلدتم إليها. وقال البصريون : يقال : ثقلت إلى الأرض : اضطجعت عليها واطمأننت. فاثاقلتم : تفاعلتم من ذلك. وإنما أدغمت التاء في الثاء فسكنت ، واجتلبت همزة وصل ، ومثله (ادارأتم) الأصل تدارأتم.
وقال أبو البقاء : (اثاقلتم : ماض بمعنى المضارع أي : ما لكم تتثاقلون ، وهو في موضع نصب ، أي : أي شيء لكم في التثاقل ، أو في موضع جر على رأي الخليل ، وقيل : هو في موضع حال). قال أبو حيان : وهذا ليس بجيد ؛ لأنه يلزم منه حذف (أن) ؛ لأنه لا ينسبك مصدر إلا من حرف مصدري والفعل وحذف (أن) في هذا قليل جدّا ، أو ضرورة. وإذا كان التقدير في التثاقل ، فلا يمكن عمله في (إذا) ؛ لأن معمول المصدر الموصول لا يتقدم عليه ، فيكون الناصب ل (إذا) والمتعلق به في التثاقل ما تعلق به (لكم) الواقع خبرا ل (ما) ، وقرئ (أثاقلتم) بالاستفهام الذي معناه الإنكار ، وحينئذ لا يجوز أن يعمل في (إذا) ؛ لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله ، فيكون العامل في هذا الظرف إما الاستقرار المقدر في (لكم) ، أو مضمر مدلول عليه باللفظ ، والتقدير : ما تصنعون إذا قيل لكم؟ وإليه نحا الزمخشري.
والظاهر أن يقدر : ما لكم تتثاقلون إذا قيل لكم؟! ليكون مدلولا عليه من حيث اللفظ والمعنى.
ينظر : عمدة الحفاظ (١ / ٣٢٥) ، والإملاء لأبي البقاء (٢ / ١٥) ، والكشاف (٢ / ٢٧١) ، والبحر المحيط (٥ / ٤٤) ، والدر المصون (٣ / ٤٦٤) ، واللباب (١٠ / ٩١ ، ٩٢).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
