(وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ) ، فلولا أن الضم واجب ويكون المؤدى عن أحدهما مؤدى عن الآخر ، وإلا لم يكن لذلك معنى.
ثم في متعارف الناس أنهم يؤدون من الفضة عن الذهب ؛ لأن الذهب أعز عندهم ، والفضة دونه.
ثم إن كانت الآية في الكفرة فهي (١) في القبول ؛ كقوله : (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة : ٥] وقوله : (الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) [فصلت : ٧] وذلك على القبول ، لا في الأداء نفسه.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ...) الآية.
جعل الله تعذيب الكفرة في الآخرة بالأسباب التي منعتهم عن طاعة الله ، ودعتهم إلى مخالفة أمره ، ويجمع بينهما في النار ؛ كقوله : (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) [الزخرف : ٣٦] ، وقوله : (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) [الزخرف : ٣٨] وقوله : (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ) [الصافات : ٢٢] ونحو ذلك ؛ فعلى ذلك ما كنزوا يحمى عليها ، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ، يعذبهم بها ؛ لما منعتهم تلك الأموال من (٢) طاعته ، ودعتهم إلى صدّ الناس عن سبيل الله ؛ يجعل عذابهم في الآخرة بها.
ويحتمل قوله : (جِباهُهُمْ) : كناية عن التقديم إلى الآخرة ، أي : لم يقدموها ولم ينفقوها في سبيل الله.
وقوله : (وَجُنُوبُهُمْ) : لما أخذوها مما يحل ومما لا يحل من كل جهة.
وقوله : (وَظُهُورُهُمْ) : لما أنفقوها في الصد عن سبيل الله.
ويحتمل ذكر هذا إحاطة العذاب بهم من كل الجهات ؛ كقوله : (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) [الأعراف : ٤١] ، وقوله : (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) [الزمر : ١٦] ، أي : يحيط العذاب بهم ؛ فعلى ذلك هذا ـ والله أعلم ـ كقوله : (أَفَمَنْ
__________________
ـ أما العروض فتضم قيمتها إلى الذهب أو الفضة ويكمل بها نصاب كل منهما. قال ابن قدامة : لا نعلم في ذلك خلافا. وفي هذا المعنى العملة النقدية المتداولة.
ينظر : ابن عابدين (٢ / ٣٤) ، والمجموع (٦ / ١٨) ، والمغني (٣ / ٢ ، ٣) ، والدسوقي على الشرح الكبير (١ / ٤٥٥).
(١) في أ : فهو.
(٢) في أ : عن.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
