التمثيل ، أي : اتخذوهم في الطاعة لهم والاتباع لأمرهم ؛ كأنهم اتخذوهم أربابا ، لا على التحقيق ، وهو ما ذكر من عبادتهم الشيطان ، لا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ، لكن صاروا بالطاعة للشيطان والاتباع لأمره كأنهم عبدوه.
وأما في المسيح فهو على التحقيق ؛ لأنهم قالوا : ابن إله ، وقالوا : ابن [الإله](١) إله ؛ فهو يخرج في المسيح على التحقيق ، وفي الأحبار والرهبان على التمثيل.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً).
يحتمل : إلا ليوحدوا إلها واحدا الذي لا إله إلا هو.
ويحتمل : أي : ما أمروا أن يعبدوا آلهة [على ما](٢) يعبدون من الأصنام والأوثان ، ولكن أمروا أن يعبدوا إلها واحدا.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ).
قيل : (نُورَ اللهِ) : ذكر الله وتوحيده.
وقيل : (نُورَ اللهِ) : القرآن (٣).
وقيل : (نُورَ اللهِ) : هو الإسلام (٤).
فإذا كان (٥) النور هو الذكر والتوحيد فهو ـ والله أعلم ـ أنهم لم يكونوا يعرفون ذكر الله ، ولا يذكرونه ، إنما كانوا يعرفون ذكر الأصنام ، وإياها يذكرون ، وبحق القرابة والرحم يتناصرون فيما بينهم ، فلما أن بعث الله رسوله محمدا بذكر الله وتوحيده ، وأمر بالتناصر بحق الدين ، أرادوا أن يطفئوا ذلك النور.
ومن قال : أراد بنور الله القرآن ، أرادوا إطفاءه ؛ كقوله : (ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [الأحقاف : ١٧] ، و (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) [الأنعام : ٧] و (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) [فصلت : ٢٦] ونحوه ، أرادوا إطفاءه بنحو ما ذكرنا (ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً) [سبأ : ٤٣] ، وقولهم : (إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ...) الآية [النحل : ١٠٣].
ومن قال : نور الله هو الدين ؛ كقوله : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر : ٢٢] ، وقال (٦) : (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ...) [النور : ٣٥] في
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) سقط في أ.
(٣) ذكره البغوي في تفسيره (٢ / ٢٨٦) ونسبه للكلبي وكذا أبو حيان في البحر (٥ / ٣٤).
(٤) أخرجه ابن جرير (٦ / ٣٥٦) (١٦٦٥٩) عن السدي وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٤١٦) وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي.
(٥) في ب : فإن كان.
(٦) في أ : فقال.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
