وقال في آية أخرى : (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً) [مريم : ٩٠ ـ ٩١] ، أخبر أن السموات تكاد أن تتفطر (١) ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال ؛ لعظيم (٢) ما قالوا في الله ـ سبحانه ـ من البهتان والفرية عليه أن له ولدا ، ثم بين الذي ذكر ذلك فقال : (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) : فذكر الآية ، وأخبر ـ والله أعلم ـ أنهم قالوا فى الله ما قالوا لوجوه :
أحدها : دلالة إثبات رسالة محمد صلىاللهعليهوسلم ؛ لأن هؤلاء المتأخرين لم يقولوا هذا ، ولكن إنما قال ذلك أوائلهم ، لكن كتموا ذلك ، فأخبر رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن أوائلهم قالوا ذلك ، وهم كانوا يكتمون عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ذلك ؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.
والثانى : يخبر رسوله سفه أوائلهم ، ويصبره على سفه هؤلاء ؛ ليصبر على سفههم وأذاهم.
والثالث : يخبر أنهم مشبهة ؛ لأنهم نسبوا المخلوق إليه ، وقالوا : إن فلانا ابنه ؛ لما رأوا منه أشياء ، فلولا أنهم عرفوا الله بمثل معرفتهم المخلوق وإلا ما قالوا ذلك ، ولا اعتقدوا من التشبيه ، وغير ذلك ، والله أعلم.
وقوله : (ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ).
أي : ذلك قول قالوه بلا حجة ولا برهان كان (٣) لهم فى ذلك.
أو قالوا ذلك بأفواههم على غير شبه اعترضت لهم تحملهم على ذلك.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ).
يحتمل هذا أن قد كان قبل هؤلاء من قد قال مثل قول هؤلاء [(يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) من الشرك أو الكفر أو غير ذلك من الكذب والافتراء على الله ، كقوله (تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) [البقرة : ١١٨] بالكفر وكقوله](٤) : (كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى) [البقرة : ٧٣] ، ليس أن يحيى الموتى كلهم إحياء كما أحيا ذلك القتيل بضرب بعض من البقرة ، ولكن يحييهم إحياء ، [فعلى](٥) ذلك قوله : (يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)] فى الكفر نفسه.
ويحتمل : ضاهى قول النصارى قول اليهود ، والمضاهاة : المشابهة والإشباه.
__________________
(١) الأفصح استخدام خبر كاد مجردا من أن.
(٢) في ب : لعظم.
(٣) في ب : كانت.
(٤) سقط في أ.
(٥) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
