ولو كان جزاء لسوى بينهم ، [و](١) هو التخليد في النار أبدا.
فإن قيل : ما الحكمة في أخذ الجزية من سائر الكفرة إذا كانوا أهل الكتاب أو المجوس ، وترك الأخذ من مشركي العرب؟ (٢).
قيل : لوجوه :
أحدها : أن ليس لمشركي العرب دين يدينون به يقاتلون عن ذلك الدين ، ولا لهم أصل يعتمدون عليه ، أو كتاب يكلون إليه ، إنما هم قوم يقاتلون عن قبائلهم ، ويتناصرون بهم ، ولغيرهم من الكفرة دين يدينون به ، وأصل يعتمدون عليه ، ويحاجون الناس بالحجاج التي
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) جمهور الفقهاء من الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، إلى أن الجزية تقبل من المجوس سواء أكانوا عربا أم عجما.
واستدلوا لذلك بأن النبي صلىاللهعليهوسلم قبلها من مجوس هجر أو البحرين. روى ابن زنجويه بسنده إلى الحسن بن محمد قال : (كتب رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام. فمن أسلم قبل منه ، ومن أبي ضربت عليه الجزية ، وألا يؤكل لهم ذبيحة ، ولا تنكح لهم امرأة).
وروى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال : ما أدرى كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف : أشهد إني لسمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
قال ابن عبد البر : هذا من الكلام العام الذي أريد به الخاص ؛ لأن المراد سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط ، أي تؤخذ منهم الجزية ، كما تؤخذ من أهل الكتاب ، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
وروى مالك في الموطأ عن ابن شهاب (أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أخذها من مجوس فارس ، وأن عثمان بن عفان أخذها من مجوس البربر).
وقد أجمع العلماء على أخذ الجزية من المجوس ، وعمل به الخلفاء الراشدون ـ رضي الله عنهم ـ ومن بعدهم من غير نكير ولا مخالف. وقد نقل هذا الإجماع أكثر من واحد : منهم ابن المنذر وابن قدامة.
وذهب ابن الماجشون المالكى إلى أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب : من اليهود والنصارى ، ولا تقبل من المجوس ؛ لقوله تعالى : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ...).
فإن مفهومها أن غير أهل الكتاب من المجوس وغيرهم لا يشاركونهم في حكم الآية.
وذهب ابن وهب المالكي إلى أن الجزية لا تقبل من المجوس العرب ؛ لأنه ليس في العرب مجوس إلا وجميعهم أسلم ، فمن وجد منهم بخلاف الإسلام فهو مرتد.
وقد نسب هذا المذهب أيضا إلى الحسن البصري.
ينظر : بدائع الصنائع (٩ / ٤٣٢٩) ، وتبيين الحقائق (٣ / ٢٧٧) ، والهداية (٢ / ١٦٠) ، ومجمع الأنهر (١ / ٦٧٠) ، وحاشية ابن عابدين (٤ / ١٩٨) ، والخراج (ص ١٢٩) ، والمدونة (١ / ٤٠٦) ، والمقدمات على هامش المدونة (١ / ٤٠٠) ، والمنتقى (٢ / ١٧٢) ، ونهاية المحتاج (٨ / ٨٢) ، وحاشية قليوبي (٤ / ٢٢٩) ، ومغني المحتاج (٤ / ٢٤٤) ، وكشاف القناع (٣ / ١١٧) ، والمبدع (٣ / ٤٠٥) ، والمغني (٨ / ٤٩٨) ، والمحلى (٧ / ٥٦٧) ، وأحكام القرآن لابن العربي (٢ / ٩٢١).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
