وقوله : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ...) [إلى آخر](١) الآية.
فإن قال لنا ملحد (٢) : إنكم تقاتلون الكفرة للكفر ، ثم إذا أعطوكم شيئا من المال تركتم مقاتلتهم ، فلو كان قتالكم إياهم لذلك لا لطمع في الدنيا ، لكنتم لا تتركون مقاتلتهم لشيء يبذلونكم ، وكذلك لو كانت المقاتلة للكفر نفسه ، لكان النساء في ذلك والرجال سواء ؛ إذ هم في الكفر شرعا سواء.
وقالوا : لو كانت المقاتلة معهم لما ذكرنا ، وهو حكمة ، والآمر بذلك حكيم لكان الناس جميعا في ذلك سواء ، ولا تتركون أحدا لشيء (٣) من ذلك ؛ بل يقاتلون أبدا ولا ترضون منهم غيره.
فيقال لهم : إنا لن نقاتل الكفرة للكفر ، ولكنا ندعوهم إلى الإسلام ، فإن أجابوا إلى ذلك [وإلا قتلناهم](٤) ليضطرهم القتل إلى الإسلام [لهذا ما نقاتلهم لشيء سواه فإذا كان في أخذ الجزية](٥) معنى ما [ندعوهم إلى الإسلام](٦) ، فإذا قبلوا ذلك تركناهم على ذلك ؛ لعلهم يرغبون في الإسلام إذا رأوا شرائعنا وأحكامنا ؛ لا أنا تركناهم رغبة فيما نأخذ منهم أو طمعا في ذلك.
وأصله المحنة ؛ إذ الدار دار المحنة ، ليست بدار الجزاء ، والمحنة تكون بمختلف الأشياء لا يجوز (٧) تلفها ؛ مرة يمتحنهم بالقتال ، ومرة بأخذ الأموال ، ومرة بالشدائد ؛ كقوله : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ...) الآية [البقرة : ١٥٥] ، وقوله : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ) [الأنبياء : ٣٥] وقوله : (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ) [الأعراف : ١٦٨] ونحو ذلك ، فإذا كان ذلك (٨) محنة لا جزاء جاز ذلك ، وكان ذلك حكمة.
وأما قولهم بأنا نقاتل الرجال ولا نقاتل النساء ونسترقهن ؛ لأنهن أتباع الرجال في جميع الأحوال وخدم لهم ، فإذا أسلموا أسلمن ؛ هذا معروف فيما بينهم ؛ إذ هن في أيدي الرجال يفعلون بهن ما شاءوا ، وأصله ما ذكرنا أن القتال محنة ، ليس هو جزاء الكفر ؛ إذ الدار دار محنة ، فله أن يمتحن بعضا بالقتل ، وبعضا بأخذ المال ، وبعضا لا بذا ولا ذاك ،
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) في ب : ملحدي بالنسب إلى ملحد كما تقول : محمدي.
(٣) في أ : بشيء.
(٤) سقط في أ.
(٥) في أ : مقاتلتهم لا لشيء سواه الجزية.
(٦) في أ : ندعوه.
(٧) في أ : بما.
(٨) في ب : كذلك.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
