لهم ؛ فإذا كان كذلك ، أمكن إقامة الحجج على هؤلاء ، وإلزام البراهين ، ولا كذلك مشركو العرب ؛ إذ لا دين لهم ينسبون إليه ، ولا مذهب يدعون غيرهم إليه بالحجاج ، وأمكن في غيرهم ؛ لذلك افترقا ، والله أعلم بذلك.
والثاني : أنهم تمنوا أن يكون لهم رسول من جنسهم يتبعونه فيما يدعوهم إليه ، ونذير يجيبونه ، حتى أقسموا على ذلك ، وأكدوا القول في ذلك ؛ كقوله : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) الآية [الأنعام : ١٠٩] ، ولم يكن من غيرهم من الكفرة ما كان منهم ؛ فإذا كان كذلك فهم يقاتلون أبدا حتى يوفوا ما وعدوا ؛ كقوله : (تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [الفتح : ١٦].
والثالث : لفضل رسول الله ؛ إذ كان منهم ومن جنسهم ، فلا يترك أحد في تلك البقعة على غير دينه.
وأمكن أن يكون وجه آخر : وهو أن مشركي العرب في حد القليل أمكن المقاتلة معهم والقيام لهم ؛ فلا يرضى منهم إلا الإسلام ، وأما غيرهم من الكفرة في بقاع مختلفة : فهم كثير ، إذا اجتمعوا لم يكن في وسع أهل الإسلام القيام لهم والقتال معهم ، فيلحق المسلمين في ذلك ضرر بين ؛ لذلك كان ما ذكر.
وقوله : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ...) الآية.
قد ذكرنا أنهم وإن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر عند أنفسهم أنهم ـ في الحقيقة ـ غير مؤمنين ؛ لأن شرط إيمانهم الإيمان بالرسل جميعا والكتب أجمع ، فهم قد تركوا الإيمان ببعض الرسل ، وببعض الكتب ، ومن كفر برسول من الرسل ، أو بكتاب من الكتب ، أو بحرف منها ـ كان كافرا بالله.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ).
يحتمل أنهم لا يحرمون تحريف الكتب وكتمان نعت رسول الله ، والله حرم ذلك عليهم.
أو لا يحرمون عبادة الأوثان ، والله ورسوله يحرم ذلك.
أو لا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الخمر والخنزير وغيره ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ).
وهو الإسلام ؛ لأنه دين توجبه العقول كلها ، وتشهد به خلقة الخلائق كلها.
أو أن يقول : لا يدينون دين الذي له الحق ، إنما يدينون بدين الذي لا حق له ، وهو دين الشيطان ، وهو ما يدعوهم إلى عبادة الأصنام ، فيجيبونه ، والله أعلم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
