أيضا ـ بعد ما هزمكم العدو بإعجابكم بالكثرة فصرفكم الفزع إلى الله ، ونصركم ـ أيضا ـ يوم حنين. (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً).
يعني : الكثرة.
يذكرهم ـ عزوجل ـ منته عليهم وفضله أن النصر والظفر متى كان إنما كان بالله ، لا بكثرتهم وقوتهم ؛ لأنه لو كان على الكثرة لوكلوا إليها.
فإن قيل : قد أمرنا بأخذ العدة والقوة ما استطعنا بقوله : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ...) الآية [الأنفال : ٦٠] ، فإنما أمرنا بما يعجبنا ، فما معنى النهي عن الإعجاب بالكثرة والقوة؟ وكذلك نهانا عن التأسي على ما فاتنا ، ونهانا أن نفرح بما يؤتينا ، وقد كلفنا الشكر لما آتانا ، والصبر على ما فات منا ، فلو لم نفرح بما آتانا لم يلزمنا الشكر ، ولا الصبر بما فاتنا ، فما معناه؟
معناه ـ والله أعلم ـ أنه نهانا أن نفرح بما يؤتينا لنفس الإيتاء ، ونتأسى لنفس ما يصيبنا ويفوتنا ، إنما علينا أن نفرح بفضل الله ومنته الذي من علينا وخصنا به ، وعلى ذلك نشكره (١) ، وعلى ذلك الصبر بما يصيبنا ويفوتنا ؛ لما جعل لنا لذلك ثوابا في الآخرة وأجرا عظيما ، وكذلك الكثرة ، أمرنا بها ، فإذا آتانا ذلك يعجبنا فضل الله ومنته في تلك الكثرة ، لا الكثرة لنفسها والقوة ، والله أعلم.
__________________
ـ اجتمعنا ، فكره رسول الله صلىاللهعليهوسلم ما قالوا مما أعجبهم من كثرتهم ، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد على أحد.
وروى أبو الشيخ والحاكم ـ وصححه ـ وابن مردويه والبزار عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم فقال القوم : اليوم والله نقاتل ، ولفظ البزار : فقال غلام من الأنصار يوم حنين : لن نغلب اليوم من قلة. فما هو إلا أن لقينا عدونا فانهزم القوم ، وولوا مدبرين.
وروى محمد بن عمر عن ابن شهاب الزهري ، قال رجل من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم : لو لقينا بني شيبان ما بالينا ، ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة.
قال ابن إسحاق : حدثني بعض أهل مكة : أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال حين فصل من مكة إلى حنين ، ورأى كثرة من معه من جنود الله تعالى : (لن نغلب اليوم من قلة) ، كذا في هذه الرواية.
والصحيح أن قائل ذلك غير النبي صلىاللهعليهوسلم كما سبق.
قال ابن إسحاق : وزعم بعض الناس أن رجلا من بني بكر قالها.
وروى محمد بن عمر عن سعيد بن المسيب ـ رحمهالله تعالى ـ أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ قال : يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة. كذا في هذه الرواية ، وبذلك جزم ابن عبد البر.
قال ابن عقبة : ولما أصبح القوم ونظر بعضهم إلى بعض ، أشرف أبو سفيان ، وابنه معاوية ، وصفوان بن أمية ، وحكيم بن حزام على تل ينظرون لمن تكون الدائرة.
ينظر : سبل الهدى والرشاد (٥ / ٤٦٩) وما بعدها.
(١) في أ : شكره.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
