وقوله ـ عزوجل ـ : (وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها).
كانوا يخشون فواتها وذهابها ، لا الكساد ؛ إذ في الهجرة تركها رأسا.
قوله تعالى : (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(٢٧)
وقوله ـ عزوجل ـ : (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ).
أي : نصركم في مواضع كثيرة كان فزعكم إلى الله ـ تعالى ـ ونصركم يوم حنين (١) ـ
__________________
(١) حنين ـ بحاء مهملة ونون مصغر ـ : واد إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف ، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا ، قال أبو عبيد البكري : سمي باسم حنين بن قانية بن مهلائيل. والأغلب عليه التذكير ؛ لأنه اسم ماء. وربما أنثته العرب ؛ لأنه اسم للبقعة. فسميت الغزوة باسم مكانها.
قال أهل المغازي : خرج رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى حنين لست خلت من شوال ، وقيل : لليلتين بقيتا من رمضان ، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج من أواخر رمضان ، وسار سادس شوال ، وكان وصوله إليها في عاشره.
قال في زاد المعاد : كان الله ـ تعالى ـ قد دعا رسول الله صلىاللهعليهوسلم ـ وهو الصادق الوعد ـ أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجا ، ودانت له العرب بأسرها ، فلما تم له الفتح المبين ، اقتضت حكمة الله ـ تعالى ـ أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام وأن يتجمعوا ويتأهبوا لحرب رسول الله صلىاللهعليهوسلم والمسلمين ، ليظهر أمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ وتمام إعزازه ، لرسوله صلىاللهعليهوسلم ونصره لدينه ، ولتكون غنائمهم شكرا لأهل الفتح ؛ ليظهر الله ورسوله وعباده وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها ؛ فلا يقاومهم بعد أحد من العرب. ويتبين ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين.
واقتضت حكمته ـ تعالى ـ أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكبوة ـ مع كثرة عددهم وعددهم وقوة شوكتهم ـ ليطأ من رءوس رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله صلىاللهعليهوسلم واضعا رأسه منحنيا على فرسه ، حتى إن ذقنه تكاد أن تمس سرجه تواضعا لربه تبارك وتعالى ، وخضوعا لعظمته ، واستكانة لعزته أن أحل له حرمة بلده ، ولم يحله لأحد قبله ، ولا لأحد من بعده ، وليبين عزوجل لمن قال : لن نغلب اليوم من قلة أن النصر إنما هو من عنده ، وأنه من ينصره فلا غالب له ، ومن يخذله فلا ناصر له غيره ، وأنه ـ تعالى ـ هو الذي تولى نصر رسوله ودينه لا كثرتكم التي أعجبتكم ، فإنها لم تغن عنكم شيئا فوليتم مدبرين ، فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خلع الجبر مع مزيد (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها)[التوبة : ٢٦] وقد اقتضت حكمته ـ تبارك وتعالى ـ أن خلع النصر وجوائزه إنما تفضي على أهل الانكسار (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)[القصص : ٥ ـ ٦].
روى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن الربيع بن أنس قال : قال رجل يوم حنين : لن نغلب من قلة ، فشق ذلك على رسول الله صلىاللهعليهوسلم وكانت الهزيمة.
وروى ابن المنذر عن الحسن قال : لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا : الآن نقاتل حين ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
