فإن قيل : الإعجاب بالكثرة كان من بعضهم ، لا من الكل ، فكيف هزم الكل؟ وكذلك العصيان يوم حنين إنما كان من بعض ، كيف عاقب الجميع؟
قيل : لأن له أن يتلف الكل ابتداء.
ألا ترى في أمر الواحد القيام لاثنين [ثم](١) في الأمر بالجهاد أمرا على غير وسع ، ولا كذلك في سائر العبادات ؛ لأنه أمر الواحد القيام لاثنين منهم ، وليس في وسع أحد القيام لاثنين ، فهو ـ والله أعلم ـ لما أن له أن يكلف قتل أنفسهم وإتلافها.
ألا ترى أنه قال : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ...) [النساء : ٦٦] الآية ، ولو لم يجز له أن يكتب قتل أنفسهم لم يكن ليذكره ، دل أن ذلك له ، وأن له أن يميتهم ويهلكهم ؛ فعلى ذلك [له] أن يأمر بقتل أنفسهم ، فإذا كان له ذلك ؛ إذ في وسعهم قتل أنفسهم ؛ فعلى ذلك [له] أن يكلف الواحد القيام لاثنين ولعدد ، وإن كان في ذلك تلف أنفسهم.
وكذلك أمرنا بمجاهدة الشيطان عدونا ، وأخبر أنه يرانا ولا نراه نحن بقوله : (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) [الأعراف : ٢٧] والمحاربة مع عدو لا نراه وهو يرانا أمر صعب شديد ، لكن الله علمنا أسباب ما نحارب معه ونجاهد فنغلبه ، وقال في الشيطان (٢) : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) [الأعراف : ٢٠٠] وقال : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا) الآية [الأعراف : ٢٠١] علمنا أسبابا نقاتل بها الشيطان فنغلبه ونقهره ، وهي ما ذكر من ذكره لا يقوم هو لذلك ، وكذلك قال في العدو الذي نراه من البشر ؛ حيث قال : (إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً) [الأنفال : ٤٥] وقال : (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال : ٤٦] قد علمنا أسباب الجهاد معه ، وأعلمنا الحيل التي تجوز لواحد القيام لاثنين فصاعدا بالحيل ، وإذا لم يكن له الوسع به بالقوة نفسها.
ثم الفرق بين الجهاد وغيره من العبادات ؛ لما يحتمل أن جعل الله الجهاد آية من آيات الحق والرسالة (٣) ؛ ليعلم الخلائق أن النصر والظفر كان بالله ، لا بغيره ؛ ليظهر الحق من الباطل ، والمحق من المبطل ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ).
هذا على التمثيل ؛ يقال عند شدة الحزن والغضب وعند بلوغها [الغاية والنهاية](٤) :
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) في ب : الشياطين.
(٣) في ب : أو الرسالة.
(٤) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
