وقوله : (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام نفسه ؛ إذ (١) الذي به يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له يسمع ؛ نحو
__________________
ـ الدعوة إلا النادر القليل.
واستدل الإمام مالك ومن معه على الوجوب مطلقا : بحديث بريدة حيث قال : قال صلىاللهعليهوسلم : «وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال ، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» رواه أحمد ومسلم ، فذكر الإسلام ثم الجزية ثم القتال. وهو ظاهر في الإطلاق ، بلغتهم الدعوة أم لا.
واستدل المفصلون على وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم تسبق دعوتهم بما رواه أحمد عن ابن عباس قال : «ما قاتل رسول الله صلىاللهعليهوسلم قوما قط إلا دعاهم». ولأنهم بالدعوة إلى الإسلام يعلمون أننا نقاتلهم على الدين لا على شيء آخر من الأموال والنساء والذراري وغير ذلك من متاع الدنيا ، فلعلهم يستجيبون لداعي الهدى فيحصل المقصود من غير احتياج إلى قتال وسفك دماء ؛ وعلى ذلك يكون من قاتل قبل الدعوة آثما.
وللعلماء في حكم التضمين خلاف ليس هذا محله.
وأما من بلغتهم الدعوة فلا يجب علينا أن ندعوهم مرة أخرى ، ولكن يستحب فقط مبالغة في الإنذار وقطعا لحجتهم ، وإنما لم تجب لما رواه أحمد والبخاري عن البراء بن عازب أنه قال : «بعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم رهطا من الأنصار إلى أبي رافع ، فدخل عبد الله بن عتيك بيته ليلا فقتله وهو نائم». ىولما روي من الإغارة على بني المصطلق وهم غارون ، ويرون أنه بهذا التفصيل يمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة.
مناقشة الأدلة :
أما القائلون بعدم الوجوب مطلقا فيرد عليهم ما جاء في حديث بريدة من قوله صلىاللهعليهوسلم : «ادعهم إلى الإسلام» فإنه صلىاللهعليهوسلم قد أمر بالدعوة والأمر ظاهر في الوجوب.
وأما القائلون بالوجوب مطلقا فيرد عليهم ما روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه أغار على بني المصطلق وهم غارون ، ولو كانت الدعوة واجبة مطلقا ما أغار عليهم من غير دعوة.
ولهم أن يجيبوا بأن ذلك فعل ، وهو يحتمل الخصوصية دون القول.
والذى نختاره هو مذهب الجمهور القائل بالتفصيل ؛ لما سبق من أن فيه جمعا بين الأدلة ، وبأن وجوب الدعوة معلل باحتمال قبول العدو الإسلام لو عرض عليه قبل القتال وإلزامه الحجة ، فإذا سبقت الدعوة وعلمت فقد انتهت هذه العلة فينتهي حكم الوجوب بانتهائها ، ولم يبق إلا المبالغة في الإنذار فلذلك ندعوهم للإسلام ، وعلى ما قلنا من انتهاء الوجوب لانتهاء العلة يحمل فعله صلىاللهعليهوسلم من إغارته على بني المصطلق وهم غافلون.
وهذا مذهب وسط ، وجدير بالاعتبار والتقدم على غيره عند المقارنة فلم يذهب إلى وجوب الدعوة مطلقا ولو كانت قد بلغتهم ؛ لأن ذلك يضر المسلمين ويضيع عليهم فوائد كثيرة ؛ لأنهم لو اشتغلوا بالدعوة حينئذ ربما راوغهم الأعداء حتى يتحصنوا ويستعدوا للمسلمين فلا نقدر عليهم بعد ذلك ، ولم يذهب إلى عدم الوجوب مطلقا لأن ذلك يجعل حجة الكفار قائمة علينا ، وقد يكونون مستعدين لقبول الإسلام لو عرضناه عليهم فيفوت الغرض الأصلي من الجهاد وهو نشر دين الإسلام وإذاعة تعاليمه بين الناس لهدايتهم أجمعين.
ينظر : الجهاد لشحاتة محمد ص (٢٣ ، وما بعدها).
(١) في أ : أن.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
