ثم قوله : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ) من غير أن يبين استجارته لما ذا ، يحتمل أن يكون ترك بيانه ؛ لما في الجواب ذلك بقوله : (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) ، وذلك كقوله : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) [النساء : ١٧٦] أنه في الجواب بيان ما استفتوا.
ويحتمل أن يكون ذلك لازم أن يسمع كلام الله بمعنى حجته لأي وجه دخل بأمان. وذلك قريب ؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا ، فإذا أبحنا لهم الدخول للحاجات بلا غرض ، تذهب منفعة التضييق ، فيكون المقصود بالعهد لما يرون من آثار الإسلام ، وحسن رعاية أهل الإسلام ، ويسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه ، رجاء أن يجيبوا ، فلذلك يؤذنون ، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم.
وقد روي عن نبي الله صلىاللهعليهوسلم أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو ؛ إلى الإسلام (١) ، فيما قد كان دعاهم غير مرة (٢) ، فذلك المعنى عند الأمان أولى ، والله أعلم.
__________________
(١) أخرجه بمعناه مسلم في صحيحه (٣ / ١٣٥٦) في كتاب الجهاد باب تأمير الإمام الإسراء على البعوث (٤ / ١٧٣١).
وأحمد (٥ / ٣٥٢ ، ٣٥٨) ، والدارمى (٢٤٤٤ ، ٢٤٤٧) ، وأبو داود (٢٦١٢ ، ٢٦١٣) ، والترمذي (١٤٠٨ ، ١٦١٧) ، وأبو يعلى (١٤١٣) ، وابن الجارود (١٠٤٢) ، والطحاوى (٣ / ٢٠٦ ، ٢٠٧) وابن حبان (٤٧٣٩) ، والبيهقي (٩ / ١٥ ، ٤٩ ، ٩٧ ، ١٨٤) ، والبغوي في شرح السنة (٥ / ٥٤٨) ، (٢٦٦٣).
(٢) أرسل الله محمدا صلىاللهعليهوسلم إلى الناس كافة ، وأمره بتبليغ رسالته ، والدعوة إلى الإيمان بها ، ثم أذن له في قتال المعرضين المستكبرين ، وقد اتفق العلماء على أن تبليغ الدعوة الإسلامية أمر يقضي به منصب النبوة وهو مقتضى الرسالة : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) [المائدة : ٦٧]. وهذا التبليغ لا محل للكلام فيه ، وإنما الكلام في أنه إذا أراد المسلمون قتال قوم ، فهل يجب عليهم أن يدعوهم قبل الشروع في القتال دعوة خاصة غير التبليغ الذي وجب بمقتضى الرسالة ، أو يصح لهم أن يفاجئوهم من غير تجديد لدعوتهم؟
وهنا اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : عدم وجوبها وإليه مال فريق من العلماء.
المذهب الثاني : وجوبها مطلقا سواء بلغتهم الدعوة قبل ذلك أم لا وإليه ذهب الإمام مالك والهادوية.
المذهب الثالث : التفصيل : وهو أنه إذا لم تكن الدعوة العامة قد بلغتهم وجبت دعوتهم قبل القتال ، وإذا كانت قد بلغتهم لم تجب دعوتهم ، بل تستحب ، وهو مذهب الحنفية والشافعية ، والحنابلة ، وأكثر أهل العلم.
الأدلة :
استدل القائلون بعدم الوجوب ، بما جاء في حديث متفق عليه عن ابن عوف قال : كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فكتب إلي : إنما كان ذلك في أول الإسلام ، وقد أغار رسول الله صلىاللهعليهوسلم على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث ، حدثنى به عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش ؛ فدل هذا الحديث على عدم وجوب الدعوة قبل القتال ؛ لأنها قد انتشرت وعمت ولم يبق ممن لم تبلغهم ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
