__________________
ـ عن الإسلام ، وفيه «وتحج البيت وتعتمر» إلى غير ما ذكر من أدلة. فسبب الخلاف في هذا هو تعارض الآثار في هذا الباب وتردد الأمر بالتمام بين أن يقتضي الوجوب أم لا يقتضيه.
قال الفخر الرازي : قوله تعالى : (وَأَتِمُّوا) أمر بالإتمام ، وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط بالدخول فيه ، ذهب أصحابنا إلى أنه مطلق ، والمعنى : افعلوا الحج والعمرة على نعت الكمال والتمام ، والقول الثاني ـ وهو قول أبي حنيفة ـ : إن هذا الأمر مشروط ، والمعنى : أن من شرع فيه فليتمه قالوا : ومن الجائز ألا يكون الدخول في الشيء واجبا ، إلا أن بعد الدخول فيه يكون إتمامه واجبا ، وفائدة هذا الخلاف أن العمرة واجبة عند الشافعية ، وغير واجبة عند أبي حنيفة.
وحجة الشافعية : أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء كاملا تامّا ، ويحتمل أن يراد به إذا شرعتم في الفعل فأتموه ، وإذا ثبت الاحتمال وجب أن يكون المراد من هذا اللفظ هو ذاك ، أما بيان الاحتمال فيدل عليه قوله تعالى : (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ)[البقرة : ١٢٤] أي فعلهن على سبيل التمام والكمال ، وقوله تعالى : (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ)[البقرة : ١٨٧] ، أي فافعلوا الصيام تامّا إلى الليل ، وحمل اللفظ على هذا أولى من قول من قال : المراد فاشرعوا في الصيام ثم أتموه ؛ لأن على هذا التقدير يحتاج إلى الإضمار وعلى التقدير الذي ذكرناه لا يحتاج إليه وهو أولى ويدل عليه وجوه :
(١) الوجه الذي نصرناه يفيد وجوب الحج والعمرة ويفيد وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما ، والتأويل الذي ذكرتم لا يفيد إلا أصل الوجوب ، فكان الذي نصرناه أكبر فائدة ، فكان حمل كلام الله عليه أولى.
(٢) أن الباب باب عبادة فكان الاحتياط فيه أولى ، والقول بإيجاب الحجة والعمرة معا أقرب إلى الاحتياط فوجب حمل اللفظ عليه.
(٣) هب أنا نحمل اللفظ على وجوب الإتمام ، لكنا نقول : اللفظ دل على وجوب الإتمام جزما ، وظاهر الأمر للوجوب فكان الإتمام واجبا جزما والإتمام مسبوق بالشروع ، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب ؛ فيلزم أن يكون الشروع واجبا في الحج والعمرة.
(٤) روي عن ابن عباس أنه قال : والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله أي أن العمرة لقرينة الحج في الأمر في كتاب الله يعني في هذه الآية. فكان كقوله تعالى : (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ)[الحج : ٧٨] فهذا تمام تقرير هذه الحجة.
وقال الشافعي ـ رضي الله عنه ـ : اعتمر النبي صلىاللهعليهوسلم قبل الحج ، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب.
وحجة من قال : العمرة ليست واجبة وجوه ، منها : قصد الأعرابي الذي سأل الرسول صلىاللهعليهوسلم عن أركان الإسلام ، وحديث بني الإسلام على خمس ، وغير ذلك ، ولم يذكر فيها العمرة ، فهذه أخبار مشهورة كالمتواترة فلا يجوز الزيادة عليها ولا ردها.
وعن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟ فقال : «لا وأن تعتمر خير لك». وعن أبي هريرة أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «الحج جهاد والعمرة تطوع».
والجواب من وجوه أحدها : أن ما ذكرتم أخبار آحاد فلا تعارض القرآن.
وثانيها : لعل العمرة ما كانت واجبة عند ما ذكر الرسول صلىاللهعليهوسلم تلك الأحاديث ، ثم نزل بعدها قوله : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة : ١٩٦] وهذا هو الأقرب ؛ لأن هذه الآية إنما نزلت في السنة السابعة من الهجرة. وثالثها : أن قصة الأعرابي مشتملة على ذكر الحج وليس فيها بيان تفصيل الحج ، وقد قلنا : إن العمرة حج لأنها هي الحج الأصغر ، فلا تكون هي منافية لوجوب العمرة ، وأما حديث محمد بن المنكدر فقالوا : رواية حجاج بن أرطاة وهو ضعيف. ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
