فأما حديث عمرو بن حزم : فهو حكاية عن كتاب ، وليس فيه بيان عن يوم الحج الأكبر ، إنما يذكر فيه الحج الأصغر ، ولو لا خبر علي وابن عمر لجاز أن يقال : يوم عرفة [هو](١) يوم الحج الأكبر ؛ لأنه يقضى فيه فرض الحج وهو الوقوف ، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج ، وجاز أن يقال : هو يوم النحر ؛ لأنه فيه يقضى طواف الزيارة (٢) ، وهو فرض ويقضى فيه أكبر مناسك الحج ؛ بل يوم النحر أولى أن يكون يوم الحج الأكبر ؛ لأن الحاج يفعل في يوم عرفة فرضا من فرائض الحج ، وهو الوقوف ، ويقضي في يوم النحر فرضا آخر من فرائضه ، وهو طواف الزيارة ، ويقضي مع ذلك [أكثر](٣) مناسك الحج ، فقد استوى هذان اليومان في أنه يقضى في كل واحد منهما فرض من فرائض الحج ، وزاد يوم النحر على يوم عرفة بما يفعل في يوم النحر من مناسك الحج ، ولا يفعل في يوم عرفة شيئا من النسك إلا الوقوف بعرفة.
واحتج بعض الناس بفرضية العمرة (٤) بما رواه عمرو بن حزم أن الحج الأصغر هو
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) طواف الزيارة يؤديه الحاج بعد أن يفيض من عرفة ويبيت بالمزدلفة ، ويأتي منى يوم العيد فيرمي وينحر ويحلق ، ثم بعد ذلك يفيض من مكة فيطوف بالبيت ، سمي طواف الزيارة ؛ لأن الحاج يأتي من منى فيزور البيت ولا يقيم بمكة بل يرجع ليبيت بمنى ، ويسمى أيضا طواف الإفاضة ؛ لأن الحاج يفعله عند إفاضته من منى إلى مكة ، وعدد أشواط الطواف سبعة ، وكلها ركن عند الجمهور ، وقال الحنفية : الركن أكثر السبعة ، والباقي واجب ينجبر بالدم ، ويجب المشي في الطواف على القادر عليه عند الجمهور ، وهو سنة عند الشافعية ، ويسن الرمل والاضطباع في الطواف إذا كان سيسعى بعده وإلا فلا يسن. ويصلّي بعد الطواف ركعتين وجوبا عند الجمهور وسنة عند الشافعية.
ينظر : بدائع الصنائع (٢ / ١٢٨) ، والمسلك المتقسط (ص ٩٨ ، ٩٩) ، والمهذب (٨ / ١٦) ، والإيضاح (ص ٢٥١ ، ٢٥٢) ، ونهاية المحتاج (٢ / ٤٠٩ ، ٤١٤ ، ٤١٦) ، ومغني المحتاج (١ / ٤٨٧ ، ٤٩٢) ، والمغني (٣ / ٤٤١ ـ ٤٤٣) ، والفروع (٣ / ٤٩٩ ـ ٥٠١).
(٣) سقط في أ.
(٤) اختلف العلماء في حكم العمرة ؛ فقال الشافعي في القديم : هي سنة ليست بفرض ، وبه قال مالك ، وقال أبو حنيفة : هي تطوع ، وحجتهم الأحاديث المشهورة الثابتة الواردة في تعديد فرائض الإسلام من غير أن يذكر منها العمرة ، مثل حديث ابن عمر : «بنى الإسلام على خمس» فذكر الحج مفردا ، ومثل حديث السائل عن الإسلام ، فإن في بعض طرقه : «وأن يحج البيت» ، وربما قالوا : إن الأمر بالإتمام في الآية ، ليس يقتضي الوجوب ؛ لأن هذا يخص السنن والفرائض ، أعني إذا شرع فيها أن تتم ولا تقطع ، واحتج هؤلاء أيضا ـ أعني من قال إنها سنة ـ بآثار ، منها : حديث الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل النبي صلىاللهعليهوسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال : «لا وأن تعتمر خير لك» ، وقد ضعف النووي هذا الحديث وبين وجه ضعفه.
وقال الصنعاني : الراجح وقفه على جابر ، فإنه الذي سأله الأعرابي ، وأجاب عنه وهو مما للاجتهاد فيه مسرح.
وقد جزم بوجوب العمرة جماعة من أهل الحديث وهو المشهور عن الشافعي في الجديد وأحمد وداود وابن حزم ، فمن أوجبها ، احتج بقوله تعالى : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة : ١٩٦] وبآثار مروية منها : ما روي عن ابن عمر عن أبيه قال : دخل أعرابي حسن الوجه أبيض الثياب يسأله ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
