وقال آخرون : هو في الأماكن كلها إلا مكان الحرم ، دليله ما ذكر في السورة التي ذكر فيها البقرة ، وهو قوله : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) [البقرة : ١٩١] ، وقال : (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) [البقرة : ١٩١] أمرهم بقتالهم في الأماكن كلها إلا المسجد الحرام.
وأمكن أن يكون أنهم يقتلون إلا أن يدخلوا الحرم ، فإذا دخلوا الحرم وقد نهوا عن الدخول فيه والحج هنالك ، على ما روي أن عليّا نادى بالموسم : ألا لا يحجن بعد العام مشرك ـ فإذا دخلوا يقتلون ، ويكون دخولهم فيه بعد النهي كابتداء مقاتلتهم إيانا ، فإذا قاتلونا عند المسجد الحرام قاتلناهم ؛ كقوله : (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) [البقرة : ١٩١] والله أعلم.
وقوله : (وَخُذُوهُمْ) قيل : ائسروهم (١).
وقوله : (وَاحْصُرُوهُمْ) قيل : احبسوهم (٢) ، (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) ، والمرصد : الطريق (٣) ؛ كأنه أمر بقوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) بقتلهم إذا قدروا عليهم ، وأمكن لهم ذلك ، والأسر (٤) عند الإمكان والحبس إذا دخلوا الحصن ، وحفظ المراصد عند غير الإمكان ؛ لئلا يغروا ، ويقال : أرصدت له ، أي : انتظرت أن أجد فرصتي ، ويقال : ترصدته ، أي : انتظرته.
وقال بعضهم : قوله : (كُلَّ مَرْصَدٍ) أي : كل طريق يرصدونكم ؛ كأنه أمر بذلك ؛ ليضيق عليهم الأمر ؛ ليضجروا وينقادوا.
وفيه دليل النهي عما يحمل إلى دار الحرب من أنواع الثياب والأمتعة وما ينتفعون به ؛ لأنه أمر بالحصر وحفظ الطرق والمراصد ؛ ليضيق عليهم الأمر ويشتد ، فينقادوا ، وفيما يحملون إليهم توسيع عليهم.
وقوله : (وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) يحتمل أن يكون قوله : (وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ) أي : أقيموا عليهم الحجج والبراهين ؛ ليضطروا إلى قبول ذلك ، فإذا انقادوا لكم وإلا فاقتلوهم حيث وجدتموهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) :
[قال بعضهم أمر الله في أول الآية بقتل المشركين ، فقال : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
__________________
(١) قاله الطبري (٦ / ٣٢٠) والخازن والبغوي (٣ / ٨٠).
(٢) ينظر ما سبق.
(٣) ينظر ما سبق.
(٤) في أ : الأمر.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
