قوله : (وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) أخبرهم أنه سينتقل من المحاجة باللسان إلى تغيير المنكر بالفعل ثقة بالله ومحاماة على دينه ، والكيد : المكر ، يقال : كاده يكيده كيدا ومكيدة ، والمراد هنا الاجتهاد في كسر الأصنام. قيل إنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك سرّا ، وقيل : سمعه رجل منهم (بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) أي : بعد أن ترجعوا من عبادتها ذاهبين منطلقين. قال المفسرون : كان لهم عيد في كل سنة يجتمعون فيه ، فقالوا لإبراهيم : لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا ، فقال إبراهيم هذه المقالة. والفاء في قوله : (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً) فصيحة ، أي : فولوا ، فجعلهم جذاذا ، الجذّ : القطع والكسر ، يقال : جذذت الشيء قطعته وكسرته ، الواحد : جذاذة ، والجذاذ : ما كسر منه. قال الجوهري : قال الكسائي : ويقال لحجارة الذهب الجذاذ لأنها تكسر. قرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «جذاذا» بكسر الجيم ، أي : كسرا وقطعا ، جمع جذيذ ، وهو الهشيم ، مثل خفيف وخفاف ، وظريف وظراف. قال الشاعر :
|
جذّذ الأصام في محرابها |
|
ذاك في الله العليّ المقتدر |
وقرأ الباقون بالضم ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم ، أي : الحطام والرقاق ، فعال بمعنى مفعول ، وهذا هو الكيد الذي وعدهم به. وقرأ ابن عباس وأبو السمال «جذاذا» بفتح الجيم. (إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ) أي : للأصنام (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ) أي : إلى إبراهيم (يَرْجِعُونَ) فيحاجّهم بما سيأتي فيحجّهم ، وقيل : لعلّهم إلى الصنم الكبير يرجعون فيسألونه عن الكاسر ؛ لأن من شأن المعبود أن يرجع إليه في المهمات ، فإذا رجعوا إليه لم يجدوا عنده خبرا ، فيعلمون حينئذ أنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضررا ، ولا تعلم بخير ولا شرّ ، ولا تخبر عن الذي ينوبها من الأمر ؛ وقيل : لعلهم إلى الله يرجعون ، وهو بعيد جدّا (قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) في الكلام حذف ، والتقدير : فلما رجعوا من عيدهم ، ورأوا ما حدث بآلهتهم ، قالوا هذه المقالة ، والاستفهام للتوبيخ ؛ وقيل : إن «من» ليست استفهامية ، بل هي مبتدأ ، وخبرها «إنه لمن الظالمين» ، أي : فاعل هذا ظالم ، والأوّل أولى لقولهم : (سَمِعْنا فَتًى) إلخ ، فإنه قال بهذا بعضهم مجيبا للمستفهمين لهم ، وهذا القائل هو الذي سمع إبراهيم يقول : (تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ). ومعنى (يَذْكُرُهُمْ) : يعيبهم ، وقد سبق تحقيق مثل هذه العبارة ، وجملة (يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) صفة ثانية لفتى. قال الزجاج : وارتفع إبراهيم على معنى : يقال له هو إبراهيم ، فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف ؛ وقيل : ارتفاعه على أنه مفعول ما لم يسمّ فاعله ؛ وقيل : مرتفع على النداء.
ومن غرائب التدقيقات النحوية ، وعجائب التوجيهات الإعرابية ، أن الأعلم الشنتمري الإشبيلي قال : إنه مرتفع على الإهمال. قال ابن عطية : ذهب إلى رفعه بغير شيء. والفتى : هو الشاب ، والفتاة الشابة (قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ) القائلون هم السّائلون ، أمروا بعضهم أن يأتوا به ظاهرا بمرأى من الناس. قيل : إنه لما بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه كرهوا أن يأخذوه بغير بيّنة ، فقالوا هذه المقالة ليكون ذلك حجّة عليه يستحلون بها منه ما قد عزموا على أن يفعلوه به ، ومعنى (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) لعلهم يحضرون عقابه حتى ينزجر غيره عن الاقتداء به في مثل هذا ، وقيل : لعلهم يشهدون عليه بأنهم رأوه يكسر الأصنام ، أو لعلهم
![فتح القدير [ ج ٣ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3965_fath-alghadir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
