الزمان أم لا وان كان ظاهر السياق بحسب العلوم الادبية يقتضي ان تكون (كان) ناقصة لكن حقيقة الواقع على ما هو عليه لا تتغير بالجهات الادبية ، فالآية المباركة في مقام الإخبار عن أمة مؤمنة وفت بما التزمت لله تعالى وثبتت على إيمانها ففازت بالسعادة والخيرية والفضل على سائر الناس ، ولا ينافي ذلك ان يقال : انهم كانوا في علم الله كذلك.
ثم انه يدل قوله تعالى : (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ) على ان السبب في نفي الخيرية عنهم انهم اختلفوا ولم يجتمعوا على الايمان والثبات عليه ، فكان هذا الذيل راجعا إلى صدر الآيات التي أمرنا فيها بالاعتصام بحبل الله والاجتماع ، فيرجع الذيل إلى الصدر ، وهذا من بدائع الأسلوب كما فيه التأكيد على اهمية الاجتماع ونبذ الافتراق.
والسر في التعبير بالبناء للمجهول في «أخرجت» كون الناس في طريق الاستكمال تكوينا وان الحركة في سير الاستكمال ، فتصير هذه الامة خير الأمم لا محالة ان طبقت على نفسها مبادئ دينها وذلك لا يتحقق إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تقدم.
وانما عبّر سبحانه وتعالى في هذه الآية الشريفة بالمجهول «أخرجت» وفي قوله تعالى : (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) البقرة ـ ٢٢٧ بالمعلوم ، وأضاف الفعل إلى نفسه الأقدس ، لان تأسيس الاهتداء إلى الصراط المستقيم وجعل هذا القانون القويم يختص بالله تعالى ولذا أضاف ذلك إلى نفسه الأقدس قال تعالى : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) ـ الحجرات ـ ١٧. واما بعد البيان وإتمام الحجة فتصبح النفوس مستعدة لنور الفيض عليها وقبولها للكمالات
![مواهب الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مواهب الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3959_mawaheb-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
