اعتقادا وعملا ولذا أتى بالفعل مجهولا «أخرجت» مدحا لهم. فالآيتان المباركتان تبيّنان السبب الفاعلي والمادة القابلة اي النفوس المستعدة.
والتعبير ب (الأذى) في قوله تعالى : (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً) للاشعار بان الضرر لا يكون عميقا ولا أصيلا بحيث يتناول أمس الدعوة وانما هو مجرد عرض يزول وان النصر ليس من نصيبهم فالآية الشريفة تعد من ملاحم الآيات في القرآن الكريم وهي تدل على ان المسلمين لو داوموا على ما كانوا عليه في بدء الدعوة من الاتحاد والوحدة بينهم تاركين الخلاف والاختلاف لكانت لهم الكلمة العليا والسيطرة والاستيلاء على الأعداء والكفار ولن يقدر احد ان يضرهم ، ولكنهم اختلفوا وتفرقوا وكان فعلهم هذا بمنزلة إعطاء السلاح بيد عدوهم فصار يقاتلهم بسلاح أنفسهم فلا يلوموا في ذلك إلا أنفسهم وفي مثل ذلك لا ينفع الدعاء ولا الاستغاثة بالله العظيم كما تقدم في مباحث الدعاء.
كما يستفاد من الآية الشريفة ان الذلة عليهم كانت مستمرة ما داموا مستحقين لها لسوء أعمالهم إلا ان يعتصموا بحبل الله أو يعتصموا بذمة المسلمين.
وانما جمع بين ضرب الذلة وضرب المسكنة على هؤلاء ، فان الاولى انما هي حالة خاصة تعتري الشخص الذليل من ناحية الغير إما لانكسار الشوكة وانحلال الجامعة أو لسلب الحق ونحو ذلك. والمسكنة هي حالة تعتري الشخص من ناحية نفسه منشؤها استصغار الشخص نفسه عند الغير كتوارد حالات الذلة والفقر عليه.
وتعدد كلمة «ضربت» في الآية الشريفة لأجل تعدد متعلقها.
كما ان تعدد اسم الإشارة «ذلك» انما هو لتعظيم الأمر والتفخيم ولتعدد السبب والتأكيد وإتمام الاحتجاج.
![مواهب الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مواهب الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3959_mawaheb-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
